وظيفة شاغرة

د.أحمد عبدالظاهر

السبت, 05 نوفمبر 2011 14:21
بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر

تتداول في مصر حاليا نكتة سياسية، تجري عباراتها في شكل «إعلان عن وظيفة شاغرة» وبذات الكيفية المستخدمة في الإعلانات العقارية. إذ تقول النكتة: «مطلوب رئيس جمهورية لبلد لقطة على ناصيتين – بحر أبيض وبحر أحمر، وبها نهر وخمس بحيرات، و3 أهرامات،

وميدان يسع 5 ملايين – جميع الكماليات – تشطيب 85 مليون شخص – وتمتاز بخفة دم شعبها - استعمال طيار وابنه – مرفوعة 30 سنة».

وبالتدقيق والتمعن في هذه النكتة، نجدها تعبر عن الواقع الفعلي لمصر منذ ما يقرب من أربعين عاما، وبالتحديد منذ وفاة الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر»، والذي تمتع بكاريزما كبيرة وحضور شعبي، ليس في مصر وحدها ولكن في غيرها من الدول العربية. بل أن شعبية «عبد الناصر» وتأثيره قد تعدى حدود العالم العربي، ممتدا إلى العديد من دول العالم الثالث. وقد ساعد على تكريس صورة عبد الناصر كزعيم اعتماده على بعض الأفكار الملهمة، التي تلهب خيال الشعوب العربية وتدغدغ مشاعرهم وأحاسيسهم. فعلى الصعيد الوطني المصري، اعتمدت ثورة يوليو شعارات (الحرية – الاشتراكية – الوحدة). وهذه الشعارات تعبر عن مجموعة من القيم والمبادئ التي لا يجوز أن يختلف عليها اثنان. ولعل المظاهرات التي تعم أمريكا حاليا، تحت عنوان «احتلوا وول ستريت» أبلغ دليل على خطورة الفكر الرأسمالي المطلق والاعتماد بشكل كامل على اقتصاد السوق.

وعلى المستوى العربي، كان «جمال عبد الناصر» من أشد المؤمنين بفكرة «القومية العربية» و«المصير الواحد المشترك». فقد كان لديه اعتقاد راسخ بأن القتال في فلسطين ليس قتالا في أرض غريبة، وليس انسياقا وراء العاطفة، وإنما هو واجب يقتضيه الأمن القومي المصري. فالمنطقة العربية بكامل ترابها وعلى اختلاف بلدانها وأقطارها تشكل كلا واحدا. فالحدث الذي يقع في القاهرة اليوم، يحدث مثيله في دمشق غدا، وفي بيروت وعمان وبغداد وغيرها من العواصم العربية. ولعل الربيع العربي الذي نعيش أحداثه حاليا يثبت صحة ذلك. فقد اندلعت شرارة الثورات العربية في تونس الخضراء، ثم امتد لهيبها إلى قاهرة المعز، ومنها إلى اليمن وليبيا وسوريا والعراق. وفي كتابة عن «فلسفة الثورة» المنشور سنة 1954م، عبر «جمال عبد الناصر» عن ذلك، قائلا: «إن هناك دائرة عربية تحيط بنا، وهذه الدائرة منا ونحن منها.. امتزج تاريخنا بتاريخها وارتبطت مصالحنا بمصالحها حقيقة وفعلا، وأن مصر تستطيع أن تصنع القدوة من خلال تجميع الطاقات العربية، وأن ذلك هو قدرها التاريخي تقوم به لمستقبل البشر».

وكان مؤتمر «باندونج» المنعقد سنة 1955م، نقطة انطلاق «عبد الناصر» إلى العالم الخارجي. حيث ساهم عبد الناصر – مع الزعيم الهندي «نهرو» والرئيس اليوغوسلافي الراحل «تيتو» - في تأسيس حركة عدم الانحياز. وقد اقترنت الحركة بأسماء الزعماء الثلاثة، بحيث لا يمكن ذكر اسم الحركة، دون أن يتبادر إلى الأذهان أسماء «عبد الناصر» و«نهرو» و«تيتو». كما ساهم عبد الناصر بدور أساسي في حركات التحرر العربية والإفريقية، وبحيث كان لمصر مكانة رفيعة ودورا كبيرا في أفريقيا جنوب الصحراء.

وهكذا، كان من الطبيعي أن تصبح أفكار «عبد الناصر» مذهبا سياسيا منسوبا إليه، وهو «الفكر الناصري»، والذي اكتسب الكثير من المؤيدين في الوطن العربي

خلال حقبة الخمسينيات والستينيات. وبالرغم من أن صورة «عبد الناصر» كقائد قد اهتزت بسبب نكسة يونيو 1967م، إلا أنه ما زال يحظى بشعبية وتأييد كبيرين في العديد من الأقطار العربية. حيث يعتبره الكثيرون رمزا للكرامة والحرية العربية ضد استبداد الاستعمار وطغيان الاحتلال والاستعلاء والهيمنة الغربية. وبمجرد سماع الناس بنبأ وفاته، في سبتمبر 1971م، خرج الشعب المصري في جنازة مهيبة عبر فيها عن حزنه لوفاة الرئيس القائد، وعبرت أغلب الشعوب العربية عن حزنها العميق لرحيله. 

وبعد وفاة «عبد الناصر»، تطلعت الأنظار في مصر والعالم العربي إلى خليفته «أنور السادات»، والذي كان مؤهلا إلى حد كبير لخلافة دور «عبد الناصر»، ولاسيما بعد انتصار السادس من أكتوبر سنة 1973م. غير أن اصطدامه بالفريق «سعد الدين الشاذلي»، وتسرعه في إبرام سلام منفرد مع إسرائيل – وبشروط مجحفة في نظر الكثير من أبناء الشعب المصري وغيره من الشعوب العربية – قد أدى إلى القضاء على صورته كقائد وزعيم ملهم في نظر شعبه وفي أنظار وعيون الشعوب العربية الأخرى.

وكانت الطامة الكبرى مع وصول «حسني مبارك» إلى سدة الحكم، على إثر اغتيال «أنور السادات» في حادث المنصة الشهير. فعلى الرغم من نجاح «حسني مبارك» في إعادة العلاقات بين مصر والدول العربية ونجاحه في إعادة «طابا» عبر طريق التحكيم الدولي، إلا أنه كان مفتقدا إلى الكاريزما الشخصية، ومفتقدا إلى الرؤية الإستراتيجية. حيث افتقد إلى الأفكار الملهمة والمواقف الشجاعة. بل أننا لم نلمس أي فكر استراتيجي أو أيديولوجية حاكمة لنظامه السياسي. وكان الأساس الأوحد الذي بنى عليه نظام حكمه ما أسماه «المحافظة على الاستقرار»، والذي كان في حقيقته عبارة عن الركود والثبات والسكون في ظل مجتمع دولي متحرك ومتغير لا يعترف بالأمم الخاملة. وخلال سنوات حكمه الطويلة، سادت مقولة «مصر للمصريين»، وأن مصر لم تجن من محيطها العربي والإفريقي سوى الحروب والفقر. وتعددت زيارات المخلوع إلى أوربا، ولاسيما فرنسا وإيطاليا وألمانيا، بينما ندرت زياراته للقارة الأفريقية. وبدلا من أن تتركز السياسة الخارجية المصرية على مواجهة الخطر الصهيوني، ركز النظام السياسي المصري في السنوات الأخيرة من حكم المخلوع على مواجهة حركة حماس، باعتبارها – من وجهة نظره – خطرا على الأمن القومي المصري!!!

ومع بداية الألفية الثالثة، بدأ التفكير جديا في مشروع التوريث لمبارك الابن، والذي ألقى بظلال الشك على فكرة الدولة من الأساس، وأصبحت مصر الحضارة وسياستها الداخلية والخارجية في خدمة شخص واحد، وذلك بدلا من أن يكون الجميع – بما فيهم رئيس الدولة – في خدمة مشروعها الحضاري وحراسا لأمنها القومي.

وهكذا، بدأ الشعب المصري يفقد الثقة بأركان حكمه، وبدأت رحلة البحث عن الزعامة والقيادة في بلدان أخرى. ولعل ظاهرة

«حسن نصر الله» وبزوغ نجمه في أوائل الألفية الثالثة، ورفع صوره بواسطة الجماهير العربية أبلغ دليل على ذلك. والحقيقة أن ذلك يعبر – في اعتقادنا – عن حالة الفراغ السياسي العربي، بأكثر مما يرجع إلى فكر سياسي ورؤية قومية لدى الرجل. فقد سقط سريعا في المستنقع الإيراني والتعصب للفكر الشيعي، الأمر الذي أفقده الكثير من التعاطف والتأييد في الشارع العربي. ولم تقتصر ظاهرة البحث عن قائد على المحيط العربي، وإنما امتد إلى المحيط الإسلامي، حيث برزت صورة رئيس الوزراء التركي الأسبق «نجم الدين أربكان»، ثم رئيس الوزراء التركي الحالي «رجب طيب أردوجان»، وبحيث تمنى الكثيرون في العالم العربي عودة تركيا إلى أحضان العالم الإسلامي وقيادتها للمشروع الوحدوي الإسلامي. بل أن البعض بدأ يتحدث عن عودة الخلافة العثمانية.

ولعل زيارة «رجب طيب أردوجان» الأخيرة لمصر الثورة، والاستقبال الحاشد له، لدليل آخر على حالة الحرمان التي يعاني منها الشعب المصري وافتقاده الثقة في قيادته ونخبته الحاكمة. فقد ظهر الضيف التركي في صورة الزعيم وسط مريديه وأتباعه، بينما بدا رئيس الوزراء المصري «عصام شرف» كما لو كان هو الضيف الزائر، وليس رئيس وزراء البلد المستضيف.

ومع نجاح الرئيس الأمريكي الحالي «باراك أوباما» في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، استشرت الشعوب العربية خيرا بالقادم الجديد إلى البيت الأبيض. وبدأ الحديث عنه كما لو كان رئيسا لإحدى الدول العربية أو الإسلامية، وليس رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. وأسهبت الصحف العربية في تناول أصوله الأفريقية وديانة والده الإسلامية. بل أن البعض قد ادعى أن «باراك أوباما» نفسه مسلم، وأنه يحمل – في جعبته – الحل والخلاص للشعب الفلسطيني ولقضيته المصيرية. وراح العقيد الليبي الراحل يتحدث عن أصوله الليبية وأن اسمه الحقيقي هو «أبو عمامة».

ومع انحدار دور مصر الإقليمي والدولي، بدأت بعض القوى الإقليمية تسعى لوراثة الدور المصري في محيطها العربي والإفريقي. وكان أول المستفيدين من انزواء الدور المصري هو العدو الصهيوني الذي تمدد نفوذه في القارة الإفريقية، وتحديدا في منطقة القرن الأفريقي. كذلك، شهدت السنوات الأخيرة، زيادة النفوذ الإيراني في العديد من الدول العربية والإفريقية. وعلى المستوى العربي، سعت دولة قطر وبعض الدول العربية الأخرى إلى ملء الفراغ الذي خلفه الغياب المصري عن الساحة، فقامت بدور محوري ولاعب رئيسي في العديد من القضايا والملفات السياسية الإقليمية.

نتمنى أن يكون الرئيس القادم لمصر مدركا لأهمية مصر ودورها الإقليمي والدولي، كما نتمنى ألا يكون الناخب مدركا وواعيا بالصفات التي ينبغي توافرها فيمن يصلح لتولي هذا المنصب الهام. ونتمنى أخيرا من الساسة وقادة الأحزاب ألا يشغلوا الناخب والشعب عموما بعيدا عن القضايا المحورية والجوهرية، وبحيث يتحدث بعضهم عن تغيير اسم «مصر»، بإضافة وصف «الإسلامية» إليها، أو الحديث عن النقاب، أو الخلاف بين المفتي والشيخ الحويني، أو غزوة الصناديق، أو تغطية وجوه التماثيل بالشمع.

وفي الختام، أرجو أن يتفرغ الجميع لبناء الوطن، بدلا من التناحر السياسي والحديث عن جدلية العلاقة بين الدين والدولة. أرجو أن ينشغل الجميع بالتنمية وحل مشكلة العشوائيات ومشكلة الفقر، والتخفيف عن كاهل المواطن العادي ووضع السبل الكفيلة برفع مستوى المعيشة. فكما يقولون «من لا يملك رغيفه، لا يملك حريته». كذلك، نود أن نلفت النظر إلى الصراع – في المجتمع الدولي المعاصر – لا يكون بالحروب والدبابات والمدافع، وإنما ينصب على العلم والمعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا. ولا يماري أحد في أن مصر تملك باعا طويلا وتراثا عظيما من القوة الناعمة، يؤهلها لأن تلعب دورا كبيرا على المستوى الدولي. المهم أن نحسن استغلال ما لدينا، وأن يتوافر لدى الرئيس القادم الإيمان والإدراك بأهمية مصر وقيمتها الحضارية وأن يحسن إدارة سياستها الداخلية والخارجية. المهمة إذن سهلة، بشرط أن تصدق النوايا وتتوافر الإرادة المخلصة الواعية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يكون الرئيس القادم رئيسا بمعنى الكلمة، أم يكون مجرد موظف بدرجة رئيس جمهورية ؟؟؟           

--------
أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة