حلم القاضي

علي خميس

الاثنين, 02 مايو 2011 13:34
بقلم - علي خميس

 

30 عاما والقاضي الصامت ينشد العدل ، راح يبحث عنه في دروب قاهرة المعز التي صدمته منذ أن هبط إليها في أكتوبر 1981 ‘ إنه توقيت لم ينسه فتى المحلة الطامح الي استخراج الكنز المدفون في قلعة العلم الكبرى .. هكذا وعدوه إذا تفوق في الثانوية العامة .. وهكذا التقيته دون سابق معرفة في ربوع جامعة القاهرة التي ضاقت بنا بسبب إجراءات الامن المشددة حيث تزامن دخولنا الجامعة مع الأيام الصعبة التي شهدتها البلاد في أعقاب اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات .

 

القاضي الحالم بالعدل صدم بالظلم البين في أول خطوة يخطوها داخل أسوار الجامعة ، حيث فرضت حالة الطوارئ وحرم المتفوقون من  أبناء الاقاليم  وهو على رأسهم ، من دخول المدينة الجامعية التي راح يتحكم فيها أمن الدولة والمحسوبية .

حمل كل منا جرحه الأول وتحامل عليه وراح يجوب شوارع الجيزة بحثا عن سكن يعينه على استكمال مشواره التعليمي بعد اغتصاب حقنا المشروع في دخول المدينة الجامعية ، وبعد رحلة تمشيط واسعة عثرنا على شقة قريبة من الاهرامات تقاسمتها أنا والقاضي وكانت هذه بداية معرفتي به حيث وجدته صامتا شاردا أحيانا ، ولكنه متفائل في أغلب الأحوال ، مجتهد ومتفوق في

كل الأوقات ، معطاء بلا حدود .

القاضي الصامت لم يكن طالبا عاديا يكتفى بالتفوق في جميع سنوات الدراسة ، بل كان أيضا صاحب رسالة إنسانية عنوانها الاخلاص والعطاء ، وقد ساعده تفوقه على الالتحاق بجريدة الوفد إبان تأسيسها وهو مازال طالبا في الجامعة ، ولأنه كان يتسم بروح القيادة فتحت خطوته الجريئة هذا الباب على مصراعيه أمام زملاء الدراسة لخوض تجربة الصحافة الحزبية بنجاح .

وعندما هبت ثورة 25 يناير كانت أقدام القاضي تسبقه الى ميدان التحرير باحثا من جديد عن حلمه القديم ، ولكن سعيه هذه المرة كان من أجل أن يحظى ابناؤه وشباب مصر بالحرية والعدالة الاجتماعية ، ذلك الحلم  الذي افتقده القاضي منذ أن هبط الي القاهرة قبل 30 عاما ، ووسط لحظة الانتصار والاحتفاء بنجاح الثورة رحل القاضي الصامت عنا دون ان يخبرنا هل وجد العدل المفقود فاطمأن الى تحقيق حلمه ورحل مستريحا، أم أنه رحل بعد أن يئس من تحقيق هذا الحلم .

رحل صاحب ( هالة ضوء ) ، إنه القائد الذي تعلمت منه أكثر مما تعلمته في قاعات الجامعة ومن دروس الحياة ، انه  عادل القاضي الذي رحل عن ديارنا ولم يغب عن دنيانا .