رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«جسر النار» وراء فزع المصريين من العصيان

علي خميس

الثلاثاء, 14 فبراير 2012 09:02
بقلم - على خميــس

«جسر النار» لا أرى أصدق من هذا التعبير كى أصف به مشهد العصيان المدنى الذى مر من سماء مصر قبل أيام، فالمسألة يجب ألا نربطها بشجاعة الثوار الذين تحمسوا لتشييد هذا الجسر والسير عليه لتحصين أهداف الثورة، أو نعلق فشله على تردد قطاعات عريضة من المواطنين ورفضها لعبور جسر العصيان، فالشعب المصرى سبق شعوب العالم فى تنفيذ العصيان والإضراب العام منذ عصر الفراعنة

ولكن التجربة هذه المرة تحكمها مخاوف عديدة أبرزها «فزاعة» الصومال التى سقطت فى فخ العصيان ولم تقم لها قائمة منذ ربع قرن بسبب انهيار اركان الدولة، وكان حصاد المغامرة تفشى المجاعة بالبلاد.
من هنا فالحكمة تستوجب أن نعرج سريعا على التجارب الدولية المعاصرة للعصيان المدنى لنستخلص العبر، ونعرف كيف ومتى نتعاطى مع هذا الامر بما يوحد صفوفنا ولا يضيع بلادنا؟ والمعروف أن لمصر تجربة ناجحة فى مجال الإضراب العام ساهمت فى حسم ثورة 1919 لصالح الحركة الوطنية المصرية، فبعد اعتقال ونفى سعد زغلول والوفد المرافق له فى 9 مارس من هذا العام إلى مالطة لمطالبته بالسماح للوفد المصرى للمشاركة فى مؤتمر الصلح بباريس، اشتعلت الثورة فى كل مكان واشتركت فيها النساء لأول مرة، بقيادة صفية زغلول مطالبين بالإفراج عن سعد زغلول واشتملت على إضراب عمال الترام، وتلاه إضراب عمال السكك الحديدية، وسائقى التاكسى وعمال البريد والكهرباء والجمارك، وعمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية حتى اضطرت السلطات البريطانية إلى الإفراج عن سعد زغلول ورفاقه وإلغاء الأحكام العرفية واستقلال مصر استجابة لمطالب الثوار بعد العصيان المدنى.
ويعد العصيان المدنى من أهم أساليب الحركات القومية المناهضة للاحتلال

فى المستعمرات البريطانية السابقة فى أفريقيا وآسيا قبل استقلالها، وعنها قال المهاتما غاندى: «إن العصيان المدنى هو حق أصيل للمواطن فى أن يكون متمدنا، وتتخذ سياسة اللاعنف عدة أساليب تصاعدية لتحقيق أهدافها منها: الصيام والمقاطعة والاعتصام والعصيان المدنى والقبول بالسجن، وقاد غاندى أتباعه فى حركة عدم التعاون التى احتجت على فرض بريطانيا ضريبة على الملح فى مسيرة ملح داندى عام 1930، والتى قطعت مسافة 400 كيلو متر حيث تحدى غاندى القوانين البريطانية التى كانت تحصر استخراج الملح بالسلطات البريطانية، وقاد مسيرة شعبية توجه بها إلى البحر لاستخراج الملح من هناك، وفى عام 1931 أنهى هذا العصيان بعد توصل الطرفين إلى حل وسط وتوقيع معاهدة غاندى - إيروين.
وقد وضع غاندى القواعد المنظمة لفلسفة المقاومة السلمية ــ من الضرورى ذكرها هنا ــ ومنها:
- المقاوم المدنى لن يُداخله أى غضب وأنه فى سبيل ذلك سيحتمل هجوم الخصم عليه ولن يرد مطلقا، لكنه لن يخضع خوفا من العقاب إلى أى أمر يُوّجه إليه فى غضب.
• عندما يعمد أى شخص فى السلطة إلى اعتقال المقاوم المدني، فإنه سيخضع طوعا للاعتقال كما أنه لن يقاوم مصادرة متاعه.
• إن كان أى من متاع المقاوم السلمى أمانة مودعة عنده، فإنه سيرفض تسليمها حتى لو فقد حياته دون ذلك، لكنه مع ذلك لن يردّ هجوما.
• رد الهجوم يشمل السباب واللعن
لذا فإن المقاوم المدنى لن يعمد إلى إهانة خصمه مطلقا، ولن يشارك فى أى من الصيحات التى تخالف روح فلسفة اللا عنف.
• المقاوم المدنى لن يحيى علم الاتحاد ولن يهينه أو يهين الموظفين البريطانيين أو الهنود.
• خلال النضال إن أهان أحد موظفا أو اعتدى عليه فإن المقاوم المدنى سيحمى الموظف من الإهانة أو الاعتداء حتى لو دفع حياته ثمنا.
أيضا نجح العصيان المدنى فى انهاء ظاهرة التمييز العنصرى فى جنوب أفريقيا حين دعا كل من الأسقف دزموند توتو وستيف بيكو إلى العصيان المدني، أعقبته مظاهرة المطر البنفسجى فى 2 سبتمبر 1989 التى أدت الى الإفراج عن نيلسون مانديلا.
وفى الولايات المتحدة، تبنى مارتن لوثر كنج، أحد قادة حركة الحقوق المدنية، أسلوب العصيان المدني، كما تبناه النشطاء مناهضو حرب فيتنام، أما فى أوروبا فلجأ الثوار الى العصيان المدنى فيما عرف بالثورات الملونة التى اندلعت فى دول شيوعية سابقة فى وسط وشرق أوروبا، وهى الثورات التى تأثرت بأفكار جين شارب المعروف باسم «مكيافيلى اللاعنف»، ومن أمثلة ذلك الثورة الوردية السلمية فى جورجيا التى انطلقت بالورود عام 2003، والثورة البرتقالية فى أوكرانيا التى تلت الخلاف على نتائج انتخابات 2004 البرلمانية. والثورة البنفسجية فى تشيكوسلوفاكيا عام 1989، وكذلك عند خلع سلوبودان ميلوسوفتش فى صربيا عام 2000 حيث استخدم الثوار أسلوبا للعصيان طبق من قبل فى انتخابات برلمانية فى بلغاريا عام 2000، وسلوفاكيا عام 1998 لإسقاط النظام.
وفى المقابل يعد سيناريو العصيان المتكرر فى الصومال هو الأسوأ فى تاريخ التجارب الدولية لأن نتائجه جاءت كارثية وخارج حسابات كافة الفصائل الصومالية وحولت البلاد الى جزر منفصلة ومجاعة كبرى كان آخرها عجز حكومة الإنقاذ عن دفع رواتب الجيش الصومالي.
وعلى ضوء هذه التجارب الدولية أتصور أن المشهد المصرى الأخير ليس فيه خاسر أو منتصر لأن الفائز الوحيد هو «الوعى» المصرى الذى أفرزته ثورة 25 يناير، ومن ثم علينا تجاوز حدود هذا المشهد والتعجيل بإعداد مشروع اجتماعى واقتصادى واعد ما أحوجنا إليه بعد مرور عام على الثورة.

[email protected]