رؤى

لقد تنحى

علاء عريبى

الخميس, 12 فبراير 2015 22:30
بقلم -علاء عريبى

سألت نفسي وأنا أتطلع للدبابات والمدرعات والقناصة التي تحيط وتؤمن قصر الرئاسة ، فى مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات: لماذا يتنحى؟، إذا كان الجيش يحميه ويؤمنه ما الذى سيجبره على ترك هذا القصر؟، غدا أو بعد غد سوف يمل الناس من الخروج والهتاف والصياح ودخان الغاز والكر والفر، سيراهن النظام على الملل والشعور باليأس، الأعداد سوف تقل يوما بعد يوم، وتعود ريما إلى عادتها القديمة.

يومها اتفقت مع زوجتي والأولاد أن ننزل للمشاركة فى المظاهرات التى تحاصر القصر، وكنت مثل كثيرين أشك فى قبوله فكرة الرحيل، قبلها بأسابيع كانت ثورة الشعب التونسي، وكتبت هنا مشككا فى تنفيذ السيناريو التونسى فى مصر، وأرجعت هذا إلى سببين الأول: الجيش المصرى، ظننت يومها أنه لن يقف مع الشعب مثلما فعل الجيش التونسي، وقلت إن المشير طنطاوي والفريق سامي عنان وقيادات الأفرع بالقوات المسلحة هم صنيعة مبارك ومن المستحيل أن يتخذوا موقفا معاديا له، السبب الثاني: هو فساد معظم النخب المصرية، فكنت أتابع بأسى أغلبهم في السياسة والإعلام والصحافة والثقافة والفن والرياضة والمعارضة والتيار الإسلامي وأساتذة الجامعة وهم يتملقون مبارك ونجله جمال، وقبل الثورة بفترة معظمهم كان مع التوريث، وكانوا يؤكدون:

إنه شاب مثل سائر الشباب ومن حقه الترشح للمنصب مثل غيره، والبعض الآخر كان يضع شروطا تبدو معارضة لكنها كانت تمرر فكرة الترشح، كنت أكتب يوميا أطالب بالرحيل وبتطهير البلاد من الفساد، حتى أن بعض الأصدقاء نصحني بالتهدئة: الوضع سوف يعود على بدء، لم ألتفت للنصيحة، لكن عندما استمعت إليه وهو يتمنى الموت في مصر وأن يدفن بها، لم أتمالك نفسي وبكيت، دخل على ابني وزوجتي وضحكا لبكائي: أيه هو أنت تكتب حاجة وإحساسك حاجة تانية.
يوم التنحى ذهبت مع ابني للصلاة وخلال تناولنا وجبة الغذاء اتفقنا أن ننزل جميعا للمشاركة فى المظاهرات التى تحاصر قصر الرئاسة، وبالفعل ركنا السيارة أمام محل جروبى ونزلنا نحمل أعلام مصر، كان هناك ما يقرب من مائتى شخص ربما أكثر، شاركناهم فى الهتاف، كانت قوات الحرس الجمهورى قد قطعت شارع المرغنى بسور من الأسلاك الشائكة والدبابات، وقفتنا على شريط الترام أمام الأسلاك مباشرة.
هتفت مع أولادي والمتظاهرين، تطلعت إلى أسطح العمارات المجاورة، بعض القناصة بملابس مدنية، التقطنا
لأنفسنا عدة صور على تليفوناتنا المحمولة، كنا نسمع ونحن نهتف أمام السلك الشائك وكاميرات قناة الجزيرة، أن الرئيس سوف يغادر إلى شرم الشيخ، وبعد فترة شاهدنا بالفعل مروحية هليكوبتر تحلق فى الهواء.
بعد المغرب ركبنا السيارة وعدنا إلى المنزل، فقد شعرت أنني يجب أن أتناول علاج القلب وأستسلم لفترة راحة، جلست أمام التليفزيون أتنقل من الجزيرة إلى أون تى فى إلى السيى بى سى، بعض النخب كان يتحدث عن تركه حتى انتهاء فترته، بعد ساعة ربما أكثر أو أقل استيقظت على صوت ابني وزوجتي وابنتي: الله أكبر، الله أكبر، اتنحى، اتنحى، حدقت فى الشاشة: عمر سليمان يتلو بيان التنحى، صيحات التكبير والتهليل فى البيوت والشرفات، طلقات النار تشق الفضاء، لقد رحل: لماذا؟، كيف تنازل بسهولة عن هذا الملك؟، من الذى أجبره على التنحى؟، ولماذا لم يقرأ هو بيان التنحى؟، هل أجبروه على التنحى؟، هل اعتقلوه وقرءوا البيان ؟، من الذى سيحكم؟، هل سيظل نظامه كما هو؟، هل سيحكمنا أحد رجاله؟، هل خرجنا لتغيير النظام أم تنحية رئيسه؟، وكيف ستستقر الأوضاع؟، تمنيت ساعتها أن أعود إلى النوم ثم أستيقظ وأجد البلاد قد استقرت، الناس عادت إلى العمل، ودارت عجلة الإنتاج، وتول مقدرات الأمور من يفهم معنى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، من يؤمن لأولادنا حياة كريمة، وقد تغير النظام ككل وجاء نظام جديد بمعارضة ونخب جديدة، لم أتخيل يومها للحظة أن الإخوان سوف تركب الثورة، لكن للأسف قد حدث وأفسحت النخب لهم تحت عناوين كثيرة مبهمة وفاسدة.

[email protected]

ا