رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رؤى

محاصرة داخل القابون

علاء عريبى

الجمعة, 07 يونيو 2013 22:36
بقلم -علاء عريبى

القابون اسم لأحد الأحياء فى مدينة دمشق، الكاتبة السورية سوزان إبراهيم تروى لنا اليوم واقعة قطع الاتصالات عن الحى وإغلاقه على من فيه يوم 22 تموز (يوليو)2011، وقد كتبتها تحت عنوان «محاصرة داخل القابون»:

«استيقظت في الثامنة. لا أدري متى تنبهت إلى عدم وجود تغطية للموبايل. حاولت الاتصال بحمص كما أفعل كل صباح, فاكتشفت أن لا اتصال على الهاتف الأرضي أيضاً. هدوء وسكون تامان يسودان.. ولا حتى صوت سيارة واحدة! أثار ذلك دهشتي واستغرابي وتساؤلي.
إنها الواحدة إلا ربعاً, مآذن عديدة ترفع أذان الظهر، تلتها خطبة الجمعة التي لم أفهم منها أي شيء. بدأت أخبار خروج المظاهرات تتوالى على قناة الجزيرة، بينما يفند التليفزيون السوري الرسمي تلك الأخبار عبر شبكة مراسليه.
أطل من النافذة لأتقصى خروج مظاهرة في القابون، لكنني لم أسمع شيئاً. المكان الذي تخرج منه المظاهرة عادة يبعد عن بيتي حوالي كيلو متر واحد, وتلعب الريح دوراً في إيصال الصوت  أحياناً, وكنت قد سمعت أكثر من مرة هدير الهتافات بعد خروج المصلين من الجامع بعد صلاة الجمعة، كما في كثير من الليالي بعد صلاة العشاء، مازال الهدوء مخيماً ولا حياة في الشارع.
السادسة والنصف مساء. مازالت الاتصالات

مقطوعة، حركة خجولة تدب في الشارع. مضى الليل هادئاً والقمر الذي بلغ من العمر 21 يوماً يتلألأ على ارتفاع منخفض في الأفق الشرقي الشمالي ومازالت كل وسائل الاتصال مقطوعة.
يوم السبت 23 يوليو 2011. استيقظت قبيل أذان الفجر. أول شيء فعلته هو التأكد من عودة الاتصالات لكن أملي خاب، فالموبايل والهاتف الأرضي صامتان كمقبرة. لم أتمكن من النوم ثانية بسهولة بعد ارتفاع أصوات أذان الفجر من الجوامع العديدة التي تحيط بي.
استيقظت ثانية عند السابعة، ومازلت في غرفتي المعلقة المنعزلة عن العالم. صممت على الخروج للاتصال بالأهل والاطمئنان على الجميع. كان قلبي يحدثني أن صلاح لابد أن يأتي، وهمست في سري: أيعقل أنه لم يحاول الاطمئنان علي يوم أمس؟، هل جاء وثمة من منعه من دخول الحي بعدما قرأت ذلك الخبر عن محاصرة الحي؟
قبيل الحادية عشرة وصل صلاح ولهفة بادية في عينيه. حكى لي عن حال الحي, فالحواجز تنتشر بكثافة عند كل مفرق وشارع، وقد حاول دخول الحي مرتين لكنه لم
يفلح مساء أمس، إذ منعه بعض عناصر الحواجز من الدخول خوفاً عليه، وقد طمأنه بعضهم قائلين له: إن كانت قريبتك في بيتها فلا بأس عليها!
عزمت أمري على الخروج واصطحاب اللابتوب، وتمضية بعض الوقت خارج القابون لأتمكن من الاتصال بأهلي وأصدقائي، فلابد أن القلق استبد بهم. من بيتي حتى الاتوستراد الرئيسي (المسافة أقل من 1 كم) مررنا ربما بخمسة حواجز عسكرية يتفقد عناصرها بطاقاتنا الشخصية ويطلب بعضهم فتح الحقيبة الخلفية لسيارة صلاح (الباكاج). ما إن وصلت الاتوستراد حتى عادت تغطية الموبايل- التغطية محجوبة عن الحي فقط.
بعد أن قمت بتسوق بعض الحاجات الضرورية عدنا أدراجنا إلى القابون. لفت انتباهي صغر سن معظم عناصر الحواجز التي مررنا بها فغالبيتهم بالكاد يتجاوزون العشرين، الجميع بلباسهم الميداني الكامل والخوذات رغم الحر الشديد ويتنكبون بنادقهم. في أيدي بعضهم ورق أبيض عرفت لاحقاً أنها قوائم اسمية لمطلوبين, ولذا يأخذون بطاقات الهوية الشخصية ثم يراجعون تلك القوائم ليعودوا بها إلينا بعد ذلك ويسمحون لنا بالمرور. بعض العناصر قاموا بتضييق الشارع بوضع حاويات القمامة بشكل عرضي فلا يكاد الشارع يمرر أكثر من سيارة واحدة.. حتى السرافيس العاملة على خط القابون شارع الثورة كانت تفتش. لم يكن عناصر الحواجز يدققون في هويتي، لعلهم لا يبحثون عن أسماء نسائية مطلوبة.  وهكذا أعادني صلاح إلى البيت ثم مضى. تابعت يومي بشكل اعتيادي وبت ليلتي تلك بهدوء.
في اليوم التالي حين خرجت إلى العمل، كانت كل تلك المشاهد من عناصر وحواجز وبنادق قد اختفت تماماً..سوزان إبراهيم.
[email protected]