رؤى

مشايخ السلفية وتجارة التراث

علاء عريبى

الاثنين, 07 مايو 2012 08:48
بقلم: علاء عريبى

أعتقد والله أعلم أن بعض أو أغلب مشايخ وشيوخ التيار السلفى هم نتاج تجارة كتب التراث التى ازدهرت فى نهاية وبداية الثمانينيات، وأظن والله أعلم أن بعض أو أغلب المشايخ الذين يحتلون الساحة الإعلامية والسياسية اليوم هم من كانوا يشاركون فى تجارة تحقيق التراث الإسلامي، ما يقوى ظنوننا هذه أن أغلبهم حقق العديد من الكتب الإسلامية، وفى الغالب أن المرء يتطبع بوظيفته، فيقوم بارتداء شخصية تتناسب وما يعمل فيه، فليس من المقبول ان يصدر كتب إسلامية وهو غير ملتح وبدون جلباب، أو يحفظ كلمتين من الكتب التى ينشرها، أو انه لا يمتلك ناصية الفتوى او الدعوة إلى الله.

فى منتصف الثمانينيات انشغلت بقضية سرقة تحقيق كتب التراث، أخذت من الجهد والوقت والمال الكثير، فكنت أذهب لدار الكتب أقرأ المخطوط وأنسخه أو أصوره، واجمع جميع الطبعات (التحقيقات) التي صدرت للكتاب (للمخطوط) وأقارن بينها، وكتبت أيامها عن العديد من حالات السرقة لجهد الغير، فكيف يصدر كتاب عدة مرات لمحققين مختلفين؟، ما الذى أضافه لطبعته عن طبعة من سبقه؟
وتحقيق كتب التراث هو ببساطة إصدار وتأهيل نص كتاب(مخطوط) كتب فى عصر سابق لقارئ يعيش فى عصر تالٍ، على سبيل المثال اليعقوبى عاش ومات فى القرن الثالث من الهجرة(ت 292 هـ)، وكان من المؤرخين الأوائل، ألف كتاباً فى تاريخ الفترة التى عاصرها، عرف باسم «تاريخ اليعقوبى»، هذا الكتاب

لكى انشره للقارئ اليوم ويفهمه، يجب ان اجمع النسخ التى وصلتنا منه(مخطوطات) واختار النسخة التامة والأقرب للمؤلف(بخط يده أو أملاها أو نسخت فى فترة قريبة من حياته) وأقوم بإعدادها لقارئ يعيش فى ثقافة القرن العشرين أو الواحد والعشرين، بالطبع سوف أعرف الأماكن والأشخاص والمواقع والأحداث غير المعرفة، مثال: هارون الرشيد كان فى عصر المؤلف علما يعرفه الجميع، فى عصرنا اليوم يحتاج للتعريف، تاريخ حياته ومماته، وظيفته، كنيته، أهم ما قام به، والبلد التى عاش ومات بها، مثال آخر فى تأهيل النص: أن ينسب بعض الأبيات الشعرية لقائلها اذا كانت مذكورة بالكتاب غير منسوبة، وإذا كانت منسوبة يقوم المحقق(الذي يعد الكتاب للنشر) بتعريف الشاعر، مثال ثالث: الأحاديث النبوية يجب تخريجها من كتب الصحاح والضعاف، مثال أخير في تأهيل كتاب قديم لقارئ اليوم: أن أضع معاني فى الهوامش للكلمات المهجورة(غير المعروفة حاليا) والصعبة، بالإضافة إلى التصحيح اللغوي للعبارات التي أخطأ فيها الناسخ.
والمؤسف ان هذه التجارة التى قامت على سرقة مجهود الغير جعلتنى أتتبع العشرات من الكتب فى التاريخ والسنة والفقه والتفسير والأدب والشعر، كما دفعتني إلى توفير الأمهات فى كتب التراث الإسلامي لكي أعود إليها للكشف
والتحقق مما يدون فى الهوامش، وأذكر أن بعض الكتب سرق تحقيقها ونشر أكثر من عشرين مرة، كل شخص يؤكد فى مقدمة الكتاب أن من سبقوه وقعوا فى أخطاء وتصحيف دفعته إلى تحقيق الكتاب مرة أخرى، أو انه عثر على مخطوط جديد، وعندما تبحث عما قدمه تجد كلمة أو ثلاث كلمات كتعريفات فى الهوامش كل ما قدمه، وأذكر أيامها ان احدي الشخصيات قد حصل على جائزة كبيرة عن بعض أعماله، كان ضمنها تحقيقه لكتاب مشهور، فعدت لتحقيقه واكتشفت أنه أضاف ثلاث كلمات فى الهوامش كتعريف لكلمات زعم انها مهجورة، والغريب أنك تكتشف أن كتاباً ما قام العديد من الأشخاص من بلدان مختلفة بسرقة تحقيقه ونشره.
على أية حال قلت فى بداية المقال إننى أظن أن بعض مشايخ السلفية هم نتاج ظاهرة تجارة تحقيق كتب التراث، خاصة الكتب الإسلامية، وقد دفعنى إلى هذا الظن كما قلت إن بعضهم أصدر العديد من الكتب المحققة، على سبيل المثال حسن ابو الأشبال الذى نادى للجهاد ضد المجلس العسكرى، وطالب بسحل قادته واعدامهم بالميدان، أبو الأشبال اصدر حوالى 14 كتاباً من كتب التراث، منها كتاب «جامع بيان العلم وفضله» للحافظ بن عبد البر(ت463هـ)، وهذا الكتاب صدر أول مرة عام 1920 من المكتبة المنيرية، وقامت إدارة المكتبة بتحقيقه وتصحيحه، كما صدر فى عدة تحقيقات فيما بعد، منها طبعة للمكتبة العلمية ببيروت، وقد يأتى اليوم الذى نكتب فيه بتفصيل عن كتب بعض هؤلاء المشايخ.
على أية حال فرضية أن هؤلاء المشايخ ربما بعضهم أو أغلبهم كان نتاج ظاهرة تجارة تحقيق التراث، تحتاج إلى مناقشة ودراسة، ويجب أن يشارك بعضنا فيها، لأنه إذا صحت هذه الفرضية سوف يترتب عليها الكثير، خاصة أن التجارة هنا لن تصير تجارة.
[email protected]