رؤى

نادية مصطفى

علاء عريبى

السبت, 05 مايو 2012 09:32
بقلم -علاء عريبى

كانت مفعمة بالحركة والنشاط، ضحكتها تملأ المكان، تقابلك بابتسامة تسع الدنيا، لا تتوانى عن تقديم أى خدمة تستطيع تقديمها لك، عرفتها قبل 26 سنة فى الهيئة المصرية العامة للكتاب، كانت موظفة بالمكتب الاعلامى لرئيس مجلس إدارة الهيئة آنذاك د.عز الدين إسماعيل، وربما جاءت مع تولى الدكتور سمير سرحان، منذ خمسة شهور رن المحمول، نظرت إلى الشاشة «نادية مصطفى»:

ــ نادية
ــ ازيك يا حبيبى
ـــ أخبارك إيه
ـــ كنت عايزة أطمن على صحتك
ــ الحمد لله
ــ سمعت إنك بعافية وركبت دعامات للشرايين
ــ خلاص بقى يا نادية كبرنا
ـــ بعد الشر عليك، أنت زى الفل، وقلبك الأبيض ده هيعيش مائة سنة
ــ أنت عامله إيه
ــ الروماتويد مبهدلنى
ــ بطلى دلع بقى انت اده وأدوود
ــ أبدا يا علاء، ماعدتش قادرة
ــ فين نادية بتاعة زمان
ــ فاكر ... كنا زى الفل
ــ وان شاء الله هتفضلى منورة
ــ تعرف كان نفسى اسمع صوتك وأطمن عليك، ادعيلى يا علاء واسأل على»
فى منتصف الثمانينات بعد ان انتهيت من أداء الخدمة العسكرية، التحقت بالعمل كمحرر فى مجلة القاهرة، وكانت مازالت فى عددها الأول،

برئاسة تحرير الأديب والوالد عبد الرحمن فهمى، وكان مقر المجلة فى بداية تأسيسها فى المكتب المجاور لمكتب رئيس مجلس الإدارة فى الدور الأرضى، وفى المكاتب المجاورة تعرفت على نادية مصطفى، فتاة مفعمة بالحركة والشباب، كثيرا ما كنت ألتهم إفطارها، فقد كنت أعيش حياة العزوبية فى غرفة أعلى سطح أحد المنازل بمنطقة بولاق، وغالبا ما كنا نجتمع على الإفطار، ترسل أحد السعاة يشترى فول وطعمية وجرجير ونجتمع أنا وهى وعصام عبدالله وفهد والعديد من الأصدقاء، بعد أن تركت مجلة القاهرة والتحقت بفريق جريدة الوفد لم تنقطع صلتي بأصدقاء القاهرة، وكنت أتصل غالبا بنادية عندما احتاج لكتاب أو لتصوير مخطوط، أذهب إليها قبل انتهاء موعد دوامها، أجدها قامت بتصوير ما احتاجه.
بالأمس تلقيت مكالمة من فهد:
ــ أنت فين؟
ــ فى البلد
ــ أخبار هيئة الكتاب ايه
ــ بحطت أيدك
ــ والناس
ــ زى ماهم ، يمكن كبروا بس، من يوم ما
ماتت نادية
ــ نادية مين؟
ــ مصطفى .. أنت ما تعرفش؟
ــ معقولة، البقاء لله ... امتى؟
ــ داخله على أربع شهور
ــ لا حول الله ... لا إله إلا الله
ـــ نادية
ــ هو انا ما قلتش لك، أمها كلمتنى ورحت حضرت الدفنة والعزاء
ـــ يعنى كانت بتكلمنى تودعنى؟
ــ هى كلمتك؟
ــ قالت لى: كنت عايز اسمع صوتك
ــ المرض كان مبهدلها
حاولت ان أتذكر نادية، ملامحها، لون بشرتها، بعض لوازمها فى الكلام، طريقة حكيها، كيف تسير وتجلس وتعمل، استدعيت بعض المشاهد التى جمعتنا، فتشت بها عن ملامح، نبرة الصوت ... فحصت جميع زوايا المشاهد وتفاصيلها، لم أر فيها سوى ابتسامتها وبشاشتها، لعنة الله على ذاكرتى، كيف لا استطيع تذكرها؟، أبى مات وأمى ماتت وأعمامي واخوالى والعديد من الأصدقاء ولا أتذكر ملامح احد، لماذا؟، هل لأنهم ماتوا؟، هل لأن ذاكرتى أضعف من ان تحمل الملامح والتفاصيل؟، لماذا تختصر حياتهم فى ذاكرتي فى ابتسامة أو كلمة أو حركة أو نظرة؟، لماذا أفشل في تذكر ملامحهم؟، هل الموت يمحى الملامح من الذاكرة أم أن ذاكرتي تمحو المشاهد البعيدة أم أنها تختزل الأشخاص والحكايات فى أكواد صغيرة؟.
رحم الله نادية، حكوا لى أنها فى الشهور الأخير لم تكن تقدر على الحركة، وأن الروماتويد جعلها طريحة الفراش، نادية لم تتزوج، وأذكر انها كانت تضحك بسخرية وتقول لى: أنا هموت عانس ... ماتت نادية.
[email protected]