رؤى

بلد كوبون صحيح

علاء عريبى

الاثنين, 30 أبريل 2012 08:53
بقلم: علاء عريبى

يبدو والله أعلم ان جيلنا سوف يتم تعريفه فى الموسوعات وكتب التاريخ بـ «جيل الكوبون»، وتحت هذا العنوان سوف يكتب اسم العديد من الحكام، وسيذكر العديد من الثورات العسكرية والشعبية، وتحت نفس العنوان ستضع بعض أسماء حكومات ونخب وحركات وأحزاب عاشت وماتت بالكوبون، وبما أننى من الجيل الذى بدأ حياته مع اختراع الكوبون فاسمحوا لى أن أقص عليكم ما أعرفه عن الكوبون.

فى الاصطلاح الشعبى الكوبون هو: ورقة فى حجم طابع البوستة، وظيفته؟، يحفظ حقوق المواطن فى بعض السلع مثل الأرز والزيت والصابون والجاز، تعرفنا عليه بعد ثورة يوليو، اخترعته الحكومة لكى تضمن وصول السلع إلى المواطنين الكادحين، والسلع فى مصر خلال هذه الفترة كانت لا تكفى احتياجات السوق، تماما مثل اسطوانة البوتاجاز اليوم، وقيل أيامها(مثلما يقال اليوم) إن الحكومة تدعم السلع الأساسية، وأن العملاء والخونة يلعبون بالسلع المدعمة، لهذا قررت الحكومة أن تحارب العملاء والخونة والمتاجرين بقوت الكادحين، فسلمت البقالين فى الأحياء السلع المدعمة وقامت بتوزيع المواطنين عليهم، واستخرجت لكل أسرة بطاقة تموين، بهذه البطاقة يصرف نصيبه من السلع، بعد أيام اكتشفت الحكومة ان بعض المواطنين لا تصلهم السلع، وقيل أيامها أن بعض البقالين يتاجرون فى السوق السوداء ويزورون فى بطاقات التموين، ولحل هذه المشكلة تم اختراع الكابون، وكان فى حجم وشكل طابع البريد، قبل الكوبون تم

اختراع طابع الشتاء، وقد كان أيضا فى حجم وشكل طابع البريد، وكان يتم توزيعه على التلاميذ والموظفين وفى المصالح الخدمية مقابل تبرعات مالية، قيل أيامها إنها لمساعدة الفقراء، بعدها بفترة اخترعوا طوابع المجهود الحربى، وكانت أيضا فى حجم طابع البريد، وكانت كذلك تبرعات اجبارية.
الكوبون كان مميزا عن سائر الطوابع التى صدرت بعده ومعه، وميزته أننا كنا نأخذ به لا يؤخذ منا، نحصل مقابله على سلع لا ندفع تبرعات، وهذه السلع كما سبق وقلت كانت جميع السلع الأساسية التى تحتاجها الأسرة لكى تأكل وتعيش، الأرز والزيت والسكر والشاى (كان على ما أذكر اسمه مبروكة أو الشايب) والمكرونة والمسلى (كان اسمها السبع)، بالإضافة إلى الصابون (اسمه نابلسى والشمس) والجاز(سولار البوابير)، وكانت السلع يتم توزيعها شهريا مقابل الكوبون وبطاقة التموين، وظل الحال على ما هو بالكوبون طوال حكم الزعيم جمال عبدالناصر.
بعد أن مات الزعيم وودعناه: «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين».. قلنا انتهى عصر الكوبون والرئيس المؤمن محمد أنور السادات سوف يرفع عنا الكوبون، لكن للأسف اكتشفنا بعد نصر أكتوبر أننا مطالبون أن نربط الحزام على بطوننا، لماذا؟، لأن البلاد خرجت من الحرب
صفر اليدين والخزينة خاوية، وكانت خطب الرئيس المؤمن رحمة الله عليه ظلت لسنوات تتضمن جملتين أساسيتين، الأولى: باسم الله، والثانية: اربطوا الحزام، وظننت أيامها ان الرئيس المؤمن أخذ فكرة الحزام من الطائرات، لكن الأصدقاء الأكبر سنا وخبرة وثقافة أكدوا لى انه حزام تستخدمه النساء لربط بطونهن بعد الولادة.
المهم تم اغتيال الرئيس المؤمن لأنه أقام معاهدة سلام مع من هزمهم في حرب أكتوبر، وجاء صاحب الضربة الجوية الرئيس محمد حسنى مبارك، وكنا على يقين أننا وسط هذه الظروف لن نفك الحزام وعلينا أن نبقيه على بطوننا لفترة قادمة، ومرت السنوات واكتشفنا أننا لسنا مطالبين بشد الحزام فقط، بل علينا أن ننحشر داخل عنق زجاجة، صاحب الضربة الجوية وضعنا بقدرة قادر فى عنق زجاجة، وفى كل عام كان يعد بالخروج من عنق الزجاجة فى العام القادم، ويمر العام بعد العام وعنق الزجاجة يضيق علينا أكثر وأكثر ونشعر بالاختناق أكثر وأكثر.
قامت الثورة وأطاح الشعب بصاحب الزجاجة وتوقعنا أن نستنشق الهواء النقى، وننسف كلمات الكوبون والحزام وعنق الزجاجة، لكن يبدو كما قلت لكم أن الله عز وجل كتب على جيلنا ان يظل بالحزام داخل عنق الزجاجة ويطعم أولاده بالكابون، واعتقد أن جيلنا سوف يدخل موسوعة جينس تحت مسمى جيل الكوبون، وربما مستقبلا من سيكتب كلمة كوبون فى جوجول أو فى مواقع البحث سوف تخرج له مادة تؤرخ لجيلنا منذ حكم الزعيم وحتى حكم المجلس العسكرى، قد يمد الله فى أعمارنا ونرى الرئيس القادم، وقد يعطينا العمر ونسمع بعض الوعود المستقبلية بانتهاء عصر الكوبون، لكن المؤكد أننا لن نعيش لكى نرى هذا الحلم يتحقق، وكما بدأنا حياتنا بالكوبون سوف نغادر الحياة بالكوبون، جيل كوبون بقى.
 
[email protected]