من القدس إلى كوسوفا.. يا قلب لا تحزن!

عـادل صبـرى

الأحد, 21 أغسطس 2011 09:42
بقلم: عادل صبري

اندهشت عندما رد مبارك بطريقة هزلية: فلسطين.. إحنا ورانا حاجة غير فلسطين.. طيب لو لم نتكلم في غير فلسطين فعن أي شئ آخر سنتكلم؟!!.

عرفت ضآلة العرب عندما وطأت قدماي أرض مطار بريشتينا عاصمة دولة كوسوفا الوليدة. فالنظرة الأولي على بلد يربو نحو 10 آلاف كيلو متر مربع، حصلت على استقلالها بأظافر شهدائها ومواطنيها، البالغ تعدادهم مليوني نسمة فقط، تبين كم أوصلنا زعماؤنا إلى مهانة أمام أنفسنا وأمام الناس. وزاد همي عندما وجدت أعلام الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ترفرف على مدخل الدولة الوحيد، وهو مطار آدم يشاري، في بريشتينا، وبجوارهما علم الدولة الوليدة، التي حصلت على حق الاستقلال بقرار متفرد في التاريخ السياسي، بعد أن صدر لها حكم من المحكمة الجنائية في لاهاي، بحق إعلان دولة كوسوفا منذ عامين.

عندما تصفحت مسوغات أول قرار قضائي بحق إعلان دولة لاستقلالها، وجدت أنه صدر بعد أن أحيل زعماء الصرب الذين حكموا إقليم كوسوفا بالحديد والنار على مدى 100 عام، وشنوا حملات تصفية جسدية وأحرقوا المساجد والكنائس المغايرة لهم، وذبحوا نحو نصف مليون شخص في حرب البلقان الأخيرة من المسلمين فقط. وتمكن أهل كوسوفا بخبراتهم البسيطة وامكاناتهم المتواضعة من تقديم أدلة الإدانة لمرتكبي المجازر البشرية التي وقعت أغلبها بعيدا عن عيون الإعلام الدولي، وتحت إشراف مباشر من حكومات الصرب، وتستر المجتمع الأوربي الذي كان يشرف على منع الحرب في البلقان وخاصة القوات الألمانية والبولندية والإيطالية. ونجح أهل كوسوفا بمساعدة أشقائهم في دولة ألبانيا الفقيرة المجاورة وإخوانهم في البوسنة والهرسك الذين تعرضوا لنفس المجازر الوحشية، من تقديم أدلة مادية، تشمل عشرات المقابر الجماعية التي دفن بها أهل كوسوفا وهم أحياء، وأسماء مرتكبي تلك المجازر الذين تمت ملاحقتهم عن طريق قوات الأمم المتحدة التي قادتها الولايات المتحدة في دول البلقان نهاية العقد الماضي.

بعد سنوات قليلة من التحقيقات أدانت المحكمة الصرب، وكان علي الناس أن تختار بين البقاء في أحضان الصرب المغتصبين، مع حصولهم على عضوية كاملة في الاتحاد الأوربي ودعم روسي مادي

وعيني، أو الحرب. لم يكن أمام العدد الضئيل من البشر خيار سوى الاستقلال وتحمل تبعات كلمتهم، فاختاروا الحرب، ومن هنا دفع الناس بأنفسهم مع قوافل الشهداء، واستمرت الحرب التي غابت أخبارها عن العرب عمدا عدة سنوات، ولم نكن ندري ساعتها لماذا كانت هذه المعلومات مختفية عن شاشات التلفزيونات العربية وخاصة المصرية وما يسمى بدول المواجهة للعدو الإسرائيلي، وهي مصر وسوريا والأردن ولبنان.

في هذه الأثناء كان مبارك كثير الترحال إلى روسيا ووثيق الصلة بدولة الصرب التي كنا على علاقة ممتازة بها، منذ عام 1955 في عهد زعيمها جوزيف تيتو شريك مصر في تأسيس مجموعة دول عدم الانحياز وعدو الغرب الذي أراد إسقاط عبد الناصر وإعادة احتلال قناة السويس. كنا نظن أن التحالف التاريخي بين تيتو وعبد الناصر وراء تفضيل خليفته في رئاسة أكبر دولة عربية في مواجهة إسرائيل، وراء مناصرته لزعماء الصرب خلفاء تيتو في حكم بقاء الاتحاد اليوغسلافي الذي انهار عقب وفاة تيتو في ثمانينيات القرن الماضي. وأثبتت الأحداث التي مرت بعد ذلك أن بعض الظن إثم وأن الرئيس مبارك كان لديه هاجسان أحدهما، أن روسيا أخبرته أن اعترافه بدولة كوسوفا التي يقطنها 95% من المسلمين سيؤدي إلى تأييدها لدولة مسيحية في جنوب السودان، وهذا الاتفاق لم تلتزم به. أمام الهاجس الثاني وهو الأهم أن تأييده لانتفاضة شعبية في دول البلقان ستشجع الناس على الاستقلال من الديكتاتوريات التي تحكمها.

هاجس الثورة ضد الديكتاتور، ارتفعت حدته لدى مبارك وزميله في المهنة بشار الأسد وملك الأردن والقذافي، في وقت كان الأسد وعبد الله قد أتيا للحكم بالوراثة بينما يستعد مبارك والقذافي إلى تسليم مفاتيح الحكم لجمال وسيف الإسلام. وذات مرة شهدت اجتماعا للرئيس مبارك مع قادة منطقة عسكرية

وطلب الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية من الصحفيين مغادرة القاعة، وخرجوا جميعا عدا نقيب الصحفيين إبراهيم نافع والكاتب إبراهيم سعده رئيس تحرير ومجلس إدارة أخبار اليوم وغيرهما من كبار رؤساء التحرير للصحف القومية. وكنت الصحفي الصغير الوحيد الذي لم يغادر القاعة لأنني كنت جالسا في نهاية الصفوف فلم أسمع أوامر زكريا عزمي التي نهرني عليها بعد اكتشافه في نهاية الجلسة على فعل لم أرتكبه، وتوعدني رئيس إدارة الأمن إن نشرت مما استمعت إليه شيئا.

تعجبت أن تبدأ الجلسة بطلب من الرئيس مبارك لفتح الحوار، وزاد عجبي عندما وقف أحد الضباط متوسطي الرتبة ليسأل قائده بكل بساطة عما يحدث في فلسطين من تقتيل للناس، وموقف مصر منها. اندهشت من هول المفاجأة عندما رد مبارك: فلسطين .. احنا ورانا حاجة غير فلسطين.. طيب لو لم نتكلم في غير فلسطين فعن أي شئ آخر سنتكلم؟!!.

طال الحوار واستمر لمدة 3 ساعات لا أستطيع أن أنشر تفاصيلها، لتعارض بعضها مع أسرار الدولة، ولكن خرجت منه بدرس لم أعه من قبل، خلاصته أن قضية فلسطين كانت الشماعة التي يعلق الزعماء العرب عليها فشلهم في الداخل واهدارهم لأموال الشعب وتهريبهم ثرواته وتكميمهم لأفواه الناس. فالقضية الفلسطينية بالنسبة لهم باب حوار مفتوح مع الغرب وأسلوب ابتزاز جيد للمعونات والسكوت على الديكتاتوريات التي يمثلونها، وأداة لإرهاب من يطلب منهم أن يفتحوا أبواب الديمقراطية، لأن الديمقراطية من وجهة نظرهم ستأتي بالإسلاميين الذين لن يتورعوا عن فتح باب الجهاد ضد الاحتلال، وتخليص المسجد الأقصي من الأسر وتقتيل اليهود، ومنع البترول عن الغرب.

تلك هي الرسائل الساخنة التي كان الغرب يفهمها جيدا، من مبارك وزعماء دول المواجهة لذلك وقف متخاذلا تجاه حرب الإبادة التي شنها الصهاينة ضد المسلمين والمسيحيين، في فلسطين ولبنان والأسرى المصريين ولم يجرؤ أحدهم على تقديم مسئول إسرائيلي للمحكمة الجنائية الدولية، بل هرولت كثير من الدولة الغربية التي تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان خاصة بلجيكا وإسبانيا لتغيير قوانينها التي تطارد مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، من أجل حماية قادة الصهاينة الذين مارسوا تلك الجرائم في حق العرب والمسلمين. لتلك الأسباب ظلت القدس أسيرة الاحتلال، ومع مرور 42 عاما، على حرق المسجد الأقصى، ستظل كذلك، وسيواصل الصهاينة جرائمهم ضد المصريين والفلسطينيين، لأن رسالة العرب لم تعرف لغة الثورة، وإن تغيرت الوجوه والأشخاص. لقد تمكنت كوسوفا من تحقيق الاستقلال وسط معارضة روسيا وشرق أروبا والصرب، بفضل كفاح الشعب الذي سقط منه آلاف الشهداء، ولكن فلسطين ستظل أسيرة لأن زعماءنا أرادوا قضيتها وسيلة إلهاء للشعوب وابتزاز الأصدقاء.

Adelsabry[email protected]yahoo.com