في بيت محمد علي باشا

عـادل صبـرى

الأحد, 14 أغسطس 2011 09:45
بقلم: عادل صبري

بعد 40 عاماً من تلك الزيارة القصيرة للقناطر، وجدت نفسي في بيت محمد علي باشا الكبير بمدينة برزنة، جنوب البلقان.

تعلمنا في أدبيات التاريخ بالمدارس خلال العقود الماضية، أن محمد علي باشا الكبير أحد جنود الاحتلال العثماني، الذي تمكن من السيطرة علي حكم مصر ودفعته أطماعه إلي التخلص من خصومه الذين أوصلوه للحكم، كي يرثه أبناؤه من بعده. هذه العبارة التي وضعتها وزارة التعليم في كتبنا الدراسية، كنا نقرأ في أعقابها أن الرجل تمكن من تكوين جيش مصري قوي مكنه من فتح السودان والحجاز والشام، وصد الأطماع الاستعمارية للغرب في المنطقة،

وإدخال زراعات القطن وصناعات الحرير والسلاح والنسيج. وفي إحدي المرات ذهبت في رحلة مدرسية إلي القناطر الخيرية باعتبارها أحد معالم مصر الجمالية، وتعرفت عن قرب علي هذا الإبداع الذي صنعه محمد علي باشا علي نيل مصر، حيث أقام القناطر لأول مرة في التاريخ التي حمت شمال البلاد من الموت عطشاً وزودت أقاليمها الشمالية بترع التوفيقية والمحمودية والرياح المنوفي، ثم بعد ذلك وفرت المياه لترعة الإسماعيلية، والإبراهيمية الممتدة بموازاة النيل في جنوب الصعيد.

بعد 40 عاماً من تلك الزيارة القصيرة للقناطر، وجدت نفسي في بيت محمد علي باشا الكبير بمدينة برزنة، جنوب البلقان مسقط رأس الجندي العثماني الذي حمل لواء طرد آخر جندي فرنسي من مصر عقب هزيمة الشعب للحملة التي قادها نابليون بونابرت علي مصر، عام 1798.. وعرفت في لقائي مع عمدتها المنتخب البروفيسور رمضان مايه، أنهم يجهزون احتفالية لمحمد علي باشا كبيرة الحجم، ويستعدون لإطلاق اسمه علي أكبر ميادين المدينة, وآخر في مدينة برشتينا عاصمة الدولة كوسوفا.. سألت الرجل عما فعله محمد علي باشا لبلدهم، فحسب علمي أنه خرج منها صغيراً جداً، ليلتحق إجبارياً بالجيش العثمانلي، الذي كان يحتل بلادهم في تلك الفترة أسوة بمصر.. قال العمدة الذي يعمل أستاذاً في الطب: هذا الاحتفال مجرد تكريم لرجل ألباني صنع أمجاداً للمسلمين في مصر وغيرها، وإن لم يمهله القدر أن يساعد أياً من أهله الذي ولد

بينهم.

جاءت كلمات العمدة الذي دخل عالم السياسة، بعد تحرر بلاده من الاستعمار الصربي، منذ عامين فقط، حيث كان يري مدافع الهاون الصربية تقصف المآذن التاريخية في بلدته برزنة، لمجرد أنها تدل علي التراث الإسلامي في دول البلقان.. وعايش الرجل تجربة الحزب الشيوعي الذي حكم يوغسلافيا علي مدار نصف قرن، مدعياً أنه يحافظ علي حقوق القوميات والأقليات، فإذا به يهدم المساجد والكنائس التي تخالف ملة الأغلبية الصربية، وينهب الأراضي والثروات في تلك المناطق، بينما يقيم الصناعات العسكرية والحديثة في المناطق الصربية فقط.. وجهز الرجل لنا زيارة لمسجد محمد علي الكبير، لأداء صلاة الجمعة، والمقام علي الطراز العثماني، والأكثر شبها بمسجد الحسين في القاهرة. وهناك تعرفنا علي شيخ المسجد الذي يتقن العربية بطلاقة، وعرفنا منه أنه درس في الأزهر الشريف، مثل المئات من أمثاله الذين يحبون مصر، لارتباطهم الوثيق بالإسلام، وإحساسهم أنهم في مصر لا يفارقون وطنهم الأم.

عندما ضمني شيخ المسجد إلي أحضانه، بعد الصلاة، شعرت أن الساعات التي كنت أقضيها أمام لوحات وأعمال محمد علي باشا الكبير في قصر الجوهرة بالقلعة، ورأس التين بالأسكندرية وقصر شبرا والقناطر، لم تأت أبداً من فراغ.. فقد كان إعجابي بما صنعه الرجل للمصريين يفوق مخيلة طفل في السنوات الأولي من الدراسة، مما جعله في نظري أفضل من أعطي للمصريين علي الإطلاق في العصر الحديث.. وعلمت أن الهوي مع محمد علي يأتي لعلاقة تجري في الدم، ومع كل دقة قلب.. وعندما توغلنا في شوارع برزنة الضيقة الشبيهة بمنطقة الأزهر وخان الخليلي أدركت أن الاستعمار وفلوله من الساسة المصريين، أسقطوا عمداً من ذاكرة الأمة، أن أدوات الحكم لم يكن ينظر إليها في ظل دولة الخلافة علي أنها أدوات استعمارية، بل نظام متفق

عليه من حيث الشرع والعرف، وأن من يتحمل مسئوليته بقرار من الخليفة، لا يملك الناس له إلا السمع والطاعة.

لعل هذه النظرة خلقتها أدبيات ثورة يوليو، كي تصنع من الأسرة الحاكمة عودا مغتصبا متجاهلة الميراث التاريخي الذي حكم البلاد في ظل الخلافة الإسلامية والذي مكن جندياً مثل محمد علي من اعتلاء منصة الحكم، بقرار من الشعب المصري الذي كافح بمفرده جيش أعظم امبراطور في أوروبا، ومباركة مجبور عليها السلطان العثماني، الذي كان يرغب في عودة مصر إلي حظيرة السلطنة بأية وسيلة، حتي لا ينفرط عقد الدولة العثمانية بأسرها.. مع ذلك ظلت أعمال محمد علي باشا خالدة أبد الدهر لم يضاهها أي عمل من أعمال الثورة المصرية، سوي مشروع السد العالي، ورفع معدلات التصنيع المحلي خاصة الأسلحة، والغزل والنسيج، وتوسيع الرقعة الزراعية، بنحو مليون فدان.. وكان أولي برجال الثورة الذين حاولوا تقليد الباشا الكبير في فتوحاته التي انطلقت جنوباً وشمالاً وشرقاً، أن يذكروا للرجل فضله، بدلاً من أن يحولوه في كتب التاريخ إلي مرتزقة أو قاطع طريق، في الوقت الذي كتبوا فيه عن بطولاتهم العسكرية الزائفة ووضعوا أرض مصر تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتركوا السودان تبعد عن نصفها الأعلي حتي انقسمت إلي أشلاء.

بعد مرور 200 عام ونيف علي اعتلاء محمد علي باشا الكبير عرش مصر، عرفت أن الرجل الذي حقق حلماً صنعه لنفسه أو البلد الذي جعله ميراثاً لأولاده لم يأت من فراغ.. فالمنطقة التي خرج منها شديدة الصلابة، تضاريسها جبلية شاهقة الارتفاع، ضيقة السهول، غزيرة المطر، نقية الهواء، تخرط من البشر عجينا صلدا، أشبه بمادة الكريستال التي تنتشر في مناجمها، والرخام الأبيض الناعم كالحرير الذي تصنع منه أفخم المساجد والكنائس.. وقد لاحظت خلال زيارتنا لبقايا المتحف الوطني الذي أحرقه الصرب قبل أن يغادروا بالقوة مدينة محمد علي باشا، أن الزمن نحت  في الألبان قوة هائلة، مكنتهم في الماضي من عدم قبول الأتراك بينهم، بينما هم الآن يحتضنون في دولتهم أقلية تركية يعتبرونها ضمن ميراث دولتهم التي تسكنها أغلبية مسلمة.. وتظهر قوة الألبان في شخصيتهم الواضحة كالشمس، وعضلاتهم المفتولة، وقدرتهم علي تحدي الأهوال، لدرجة جعلت من كوسوفا أول دولة تحصل علي حق استقلالها من محكمة العدل الدولية، بعد أن أثبت أهلها كم الخراب والقتل الذي مارسه الصرب ضدهم، ووحشيتهم التي جعلتهم يدفنون نحو 50 ألف مسلم تحت التراب والنيران وهم أحياء.

في بلدة محمد علي باشا أيقنت أن من يزرع يحصد ولو بعد حين، وأن الحكم علي الرجال، لا يحتاج إلي قرار سلطة ولا سجلات المزورين.

[email protected]