محاكمة الفرعون وسفاح صربيا

عـادل صبـرى

الأحد, 07 أغسطس 2011 09:15
بقلم: عادل صبري

راهن البعض على أن يعتذر الفرعون على قتله للشهداء حتى يقولوا له «آسفين ياريس»

تسمرت عيناي على شاشة التلفاز عندما طل للمرة الأولي وجه الرئيس حسنى مبارك، وظهر ملقيا على ظهره فوق سرير المرض، يواجه شعبه بما ارتكبه من جرائم قتل وفساد. جاء المشهد مهيبا ولا يقدر عظمته إلا أولو العزم من البشر. فأقصى أماني الذين ذاقوا المر والهوان على يد عصابات النظام السابق، لم تصل إلى رسم صورة لهذا المشهد. فها هو فرعون مصر يحاكم لأول مرة على الملأ، ويوضع في القفص، ولو كان مصنوعا من حرير. وجاءت المحاكمة بقرار من الشعب وسلطة قضائه، وعلى مشهد من العالم جميعا.

 

عظمة المشهد أن المرء لم يكن قادرا على تخيله ولا في الأحلام. فسبق أن حلمت بسقوط مبارك أو موته فجأة ليبدأ سيناريو تنظيم البيت من الداخل. وكنت أراهن على أن القوات المسلحة هي التي ستعيد ترتيب كل شيء فتنهي قصة التوريث التي كانت تعد على الملأ، بمعاونة رجال أعمال وقادة أحزاب وسدنة الحكم الفاسد، فيختار مجلس الأمن القومي رئيسا فيمن بينهم وتنتهي المسألة عند هذا الحد. وذات مرة شاهدت انعقاد المحكمة الدولية في لاهاي وهي تحاكم سفاح الصرب سلوبودان ميلوسوفيتش، بعد مطاردة استمرت نحو 10 سنوات، لاتهامه بقتل عشرات الآلاف من المسلمين في البوسنة وكوسوفا أثناء قيادته حملة التطهير العرقي ضد المسلمين في جنوب البلقان، نهاية القرن الماضي. وعندما تابعت المحاكمة التي كانت قد انعقدت من قبل لمحاكمة معلمه الأول كراديتش الذي صنع مدرسة في فنون تعذيب المسلمين وحرقهم داخل بيوتهم ومساجدهم في تسعينيات القرن الماضي، وجدت أن معاملة هؤلاء المجرمين في محكمة تدعي انصاف الضعفاء ونصرة المسحوقين هي نوع من الدجل السياسي.

استغرقت محاكمة السفاح الأول عدة سنوات لم تنته لشيء حتى وفاته، وأغلق ملف القضية، بعد أن تأكد المجتمع الدولي من قتل نصف مليون مسلم على الأقل، بأوامر مباشرة من كراديتش إما حرقا أو دفنا وهم

أحياء. وسارت القضية على نفس النهج بعد إلقاء القبض على التلميذ السفاح. فالمحاكمة التي انعقدت في لاهاي كانت بأوامر من الأمم المتحدة وضغوط أمريكية، استهدفت اظهار الجانب الأخلاقي في الحضارة الغربية، بعد أن شهد زعماء ومفكرو تلك الحضارة العريقة على مذابح بشعة لم تحدث إلا على يد البرابرة القدامي من الرومان  والمحدثين الذين صنعهم الغرب في بورندي وفيتنام وفلسطين وكوريا وأخيرا في كوسوفا والبوسنة والهرسك. وانتهت المحاكمات بسجن قاتل المسلمين في كوسوفا عدة سنوات، رغم ثبوت مسئوليته المباشرة عن قتل ما لا يقل عن 50 ألف مسلم في كوسوفا التي طلبت الاستقلال عن صربيا، عقب انحلال دولة اتحاد اليوغسلافي، في العقد الثامن من القرن الماضي.

رغم عدم ثقتى في المحكمة الدولية التي عاقبت سفاحي صربيا بالسجن، إلا أن المشهد الذي تابعته في الصحف والقنوات التلفزيونية، لم يدفعني أبدا إلى تخيل مشاهدة أول فرعون مصري يحاكم بيد الشعب وعلى عين من رجاله، بل ويدخل معه في القفص هامان وخدام الفرعون من أمثال حبيب العادلي وأعوانه. وتشاء الأقدار أن ألتقي بالبروفيسور أنورهوسيه الذي يشغل منصب وزير خارجية دولة كوسوفا الوليدة، قبيل شهر رمضان، ونتكلم عن امكانية محاكمة الرئيس المخلوع، وخطورة هذه المحاكمة على الاستقرار في مصر. ويبدي الرجل في حواري الأخوى استغرابه من قوة العلاقة التي كانت تربط بين حسنى مبارك وسفاحي الصرب، لدرجة أنه حرم دخول مسلمي كوسوفا إلى مصر بهدف التعليم أو أي شيء آخر لمجرد إعلانهم الاستقلال عن دولة الصرب المحتلة لأراضيهم منذ 100 عام. وحكي لي الدكتور أنور هوسيه كيف كان يشعر بمرارة من أن أكبر دولة عربية مسلمة يقف في طريق إعلان الاستقلال بمنعهم

من التواجد في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، مما تسبب في عدم اعتراف كل الدول العربية في إفريقيا بهم حتى الآن، وحدوث انقسام دولي على استقلالهم وعدم حصولهم على عضوية كاملة بالأمم المتحدة، منذ عامين. ويبدى الرجل استغرابه من تأييد حسنى مبارك المطلق لديكتاتور الصرب، وتنسيقه مع الكنيسة الروسية والكرملين في موسكو، لضرب استقلال كوسوفا بشتى الطرق، رغم اعتراف 22 دولة أوروبية بدولتهم.

مرارة الكلام حول الرئيس المخلوع، وسكونه في شرم الشيخ بأمر من النيابة العامة، لم يدفعاني إلى تخيل مشهد وضع أول فرعون مصري في قفص الاتهام. فقد كانت الرؤى تتجه إلى منحه مزيدا من الوقت ليموت في هدوء في المنتجع الذي اتخذته مقرا للهروب من الواقع الأليم الذي كانت تعيشه مصر المحروسة. وفي بعض الأحيان كنا نتصور أن محاكمة صورية ستجرى للزعيم المخلوع، طويلة الأجل، منزوعة القوة، حتى لا يجر المسئولون على أنفسهم مصائب جديدة، من فلول النظام أو أنصار الديكتاتور في الخارج وخاصة من الدول العربية المتشبهة بفرعونيته وفساده. في كل الأحوال لم نتخيل أن الفرعون سيظهر في القفص مثلما رأينا سفاح صربيا مكبلا بالقيود، إلا أنها كانت المعجزة.

جاءت المعجزة الإلهية، على يد شعب من أودع الشعوب وأرقها حالا وعاطفة، حيث دفعت بالفرعون من كرسي العرش ومركز الإله المقدس إلى الدرك الأسفل، بعد أن «كفر سيئاتها» وكفرت به. وتمت المعجزة بأيد مصرية خالدة، وروتها دماء الشهداء الأبرار، ورعاية القلوب المعطشة إلى الحرية والعدل والكرامة. لذا طل علينا المشهد غير المألوف وتحول في لحظة إلى مشهد في غاية الألفة. فقد كان البعض يراهن على أن الرئيس سيفعل كما فعل فرعون موسى عند الغرق بأن يبدى الندم ويظهر التوبة، لعله ينجو من الهلاك أو يترك ذكرى جيدة عند الناس. المفاجأة أن الفرعون ظل عنيدا، فلم يأسف على ما صنعته يداه أو يتبرأ مما ارتكبه جنوده، أو يواسي قلوب الثكالي أو يترحم على مئات الشهداء.

هكذا نسى الله فأنساه نفسه، فبالأمس تأمر على المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا، وترك إخواننا في فلسطين يواجهون الموت أمام مستعمر غاصب، وأبعد يده عن الشعب وأطالها في ذراع العدو، وأحسن لسانه مع  أعوانه شرقا وغربا وأغلظ قلبه ضد ناصحيه. وهكذا سيلقى مصيره أمام قضاء عادل لم يوفره أبدا لخصوم لم يرحم ضعفهم. هكذا أهان الفرعون شعبه فهان على الناس، وستظل تلك المشاهد باقية أبد الدهر، حتى يعلم الظلمة أي منقلب سينقلبون.

[email protected]