بين ثـوار مصـر وكوسـوفا

عـادل صبـرى

السبت, 30 يوليو 2011 20:38
بقلم: عادل صبري

بعد جولة قصيرة في كوسوفا وجدت أن حالة الهدوء التي تسكن الشوارع، ما هي إلا وضع مؤقت لمجتمع وحدته الثورة وفرقه الثوار.

أثناء زيارة خاطفة لدولة كوسوفا التي استقلت عن الصرب مؤخرا، وتسعى إلى الانضمام لرابطة العالم الإسلامي، والأمم المتحدة، لاحظت أن حالة الثورة الدموية التي عاشتها على مدار 10 سنوات متصلة، قد انتهت تماما.. فالدولة التي فقدت نصف مليون ثائر في حرب التحرير من المستعمر الصربي جثم على صدرها نحو مائة عام، هادئة منظمة، تضع خططاً للتنمية، تزيل بقايا البيوت المهدمة والمصانع والمزارع التي حرقها الصرب، لتقيم أخرى جديدة بدلا منها.. رغم محدودية الإمكانات لكيان جديد لم يعترف به سوى 76 دولة منها 22 دولة أوروبية ونصف الدول العربية، وقليل من المسلمين، إلا أن السمة الغالبة، هي النظافة والنظرة المتفائلة للغد.

بعد جولة في العديد من المؤسسات الرسمية ولقاءات مع شباب الصحفيين، والمفكرين وجدت أن حالة الهدوء التي تسكن الشوارع، ما هي إلا وضع مؤقت لمجتمع وحدته الثورة وفرقه الثوار. فقد تمكن المستعمر الصربي من زرع عشرات المنظمات التي سكنت في جسد المجتمع الكوسوفي إلى الأبد، حيث دفع بآلاف الصرب للعيش قسرا في داخل أراضي كوسوفا، وطلب اعترف كوسوفا بحقوق هذه التجمعات معتبرا أنها أقليات عاشت وسط هذه البلاد منذ عشرات السنين، بما يخالف حقائق التاريخ. وساهم الاتحاد الأوروبي خلال حرب التحرير التي استمرت 10 سنوات من التطهير العرقي الذي مارسه الصرب ضد المسلمين وذوي الأصول الألبانية، في إنشاء جمعيات كرواتية وسلوفانية ومسيحية، ويهودية، تعمل على عرقلة تحول دولة كوسوفا إلى كيان إسلامي، وسط أوروبا أو تنضم اختياريا لدولة ألبانيا، التي كانت يوما دولة كبرى في جنوب أوروبا، ساهمت في نشر الإسلام عبر صقلية وجزر اليونان، قبل أن يفتح العثمانيون القسطنطينية، ويعرفون طريقهم إلى شرق أوروبا. ودخلت الولايات المتحدة على الخط، حيث دعمت خلق كيانات سياسية واجتماعية عديدة بالمال والتدريب، تحت ستار تعليم المواطنين حرية الاختيار وإقامة مجتمع ديمقراطي، وكانت أكبر مساهم في إنشاء منظمات المجتمع المدني، باعتبارها الدولة التي ساعدت كوسوفا في حربها

ضد الصرب، ومنعت العدو من محو المسلمين تماما في حروب التطهير العرقي التي قادها الطاغية سلوبودان ميليسوفيتش، وتلاميذه الذين ينفذون مخططا روسيا غربيا لمحو التواجد الإسلامي في دول البلقان.

ظل الثوار في كوسوفا موجهين قبلتهم شطر التحرير، ومحاربة العدو إلى أن وضعت الحرب أوزارها، وجاء وقت حصاد الثمار، فتحولت العاصمة برشتينا إلى مركز لأكبر شبكة من المنظمات الدولية. وصل عدد الجمعيات الأهلية والعاملة في مجال حقوق الإنسان نحو 3600 منظمة رسمية، ترفع شعار خدمة الوطن والمواطنين. أغلب المنظمات تعمل في مجالات العمل السياسي، مثل تنظيم المؤتمرات والتدريب على الانتخابات والرقابة والتوعية السياسية. شعارات جميلة جرى وراءها شباب متعطش للحرية والعمل، في بلد زراعي تخلف عن الركب بسبب التدمير الممنهج الذي مارسه الصرب، ويعاني 35%  من سكانه من البطالة، وأصيب الآلاف بأمراض وعاهات مستديمة جراء الحروب والقصف الصاروخي لبيوتهم وأجسادهم.

من المفترض أن تساهم منظمات المجتمع المدني في انقاذ البلاد من حالة الفقر والفوضى التي خلفتها الحروب، فإذا بها تتجه في الأغلب إلى العمل السياسي، ليصبح الكلام هل تصبح دولة كوسوفا إسلامية ألبانية أم دولة علمانية في قلب الاتحاد الأوربي، وهل تطبق دستورا خاصا بها أم تحصل على دستور جاهز من الدول الأوربية وتطبقه بغض النظر عن مدى تناسب هذه الدساتير مع مجتمع موحد له كيان ولغة مشتركة ويمد جذوره بعمق في تاريخ أوربا يعود إلى ما قبل ظهور المسيحية والإسلام. أسفرت المناقشات السوفسطائية، عن تعدد الأهواء في مجتمع مازال في مرحلة الولادة، وتفرق الفرقاء، في دروبهم المتشعبة، حسب الهوى وجهة التمويل التي تعينهم على تحقيق برامجهم. انتصرت الفرقة وغلبت المصلحة الفردية على العامة، وفقدت كوسوفا هويتها الإسلامية فأصبحت دولة علمانية دستوريا، بينما 95% من شعبها يدين مثلنا بالإسلام وفقا للمذهب السني الحنفي. كما

انقطعت صلتها بتاريخها كجزء من الدولة الألبانية الكبري التي وجدت على أرض الواقع مع دولة روما القديمة، قبل ظهور المسيحية، فأصبحت الوحدة الألبانية حلما، يتغنى به الشعراء والفقراء الذي يسكنون قمم جبال الألب الجنوبية ويحلمون بأن تتواجد له طرق تربطهم بأجدادهم سكان الشواطئ البحرية المطلة على البحر المتوسط وخلجانه المتشعبة.

سادت الحسرة قلوب العامة، بينما تفرق أصحاب المصالح، وصنعوا دستورا على المواصفات الأوربية، لم يحقق لهم النصر المبين، بل حالة هدوء قبلها الناس بعد عذاب امتد سنوات من الحروب الشرسة. لذا اتفق الناس على وجود مجلس رئاسي لحكم البلاد لفترة يتم خلالها تشكيل برلمان وحكومة تدير البلاد الآن لفترة انتقالية. تماما الحال في كوسوفا وجدناه كما تركناه في القاهرة، فحالة الثورة في البلد كانت واحدة، والفرحة في البلدين كانت مشتركة. فقد فرح أهل كوسوفا لخلعنا الديكتاتور حسني مبارك باعتباره رمزا للفاشية الصربية التي قتلت منهم ربع عدد السكان، وأيضا كان صديقا للصرب رافضا الاعتراف بدولتهم مجاملة لروسيا وصربيا حيث كان صديقا للعديد من زعمائها بعد وفاة تيتو موحد دول البلقان في دولة يوغسلافيا التي تهدم كيانها بموت مؤسسها تيتو.. ورغم أن المصريين في أغلبهم لم يعرفوا شيئا عن أهل كوسوفا وثورتهم العظيمة، إلا ما كانت تذيعه القنوات الأوروبية المتعاطفة مع الصرب أو الأمريكية الرافضة لوجود كيان إسلامي في أوروبا أو بيانات الداخلية التي كانت تترصد الشباب الذي سافر إلى كوسوفا عبر ألبانيا لنصرة إخوانهم من المسلمين هناك، فإن أهل كوسوفا يعشقون المصريين ويقرأون بنهم كل ما يتعلق بثورتهم.

عندما عدنا من كوسوفا وجدنا ثوار التحرير قد انقسموا، فبعضهم قد ولى الأدبار ووجه آخرون نيرانهم تجاه الصدور الصديقة، وعلت الدهشة قلوبنا ونحن في مطار القاهرة، بعد أن لاحظنا تصاعد المعارك بين الثوار والجيش.. أيقنت أن هناك فتنة ما قد وقعت بين الثوار، فلم يعد ميدان التحرير الذي تسللنا عبر شوارعه الضيقة فرادى تحت رقابة رجال حبيب العادلي ودخلناه جماعة قبل سقوط النظام، هم نفس الثوار. فقد اختفت الشعارات الموحدة للثائرين، واختلفت ألسنتهم وظهرت توجهاتهم، وتفرقت كلمتهم، ودخل الشيطان بينهم، بعد أن صنعوا أكبر معجزة في التاريخ، أشبه ما فعله موسى عليه السلام في فرعون مصر منذ آلاف السنين.

لم نعرف لماذا اختلفنا قبل أن ننهي معركة التحرير؟، ولماذا تشعبنا قبل أن نشرع في مرحلة البناء، أهكذا تنتهي ثورتنا التي بذل الشباب فيها دماءهم؟، أهانت علينا صرخات الأمهات والثكالى؟، أم فرحنا بالظهور في الفضائيات وعلى صحفات الصحف والإنترنت، أم أن هناك ما خفي وكان أعظم من تلك التضحيات جميعا، قد غنم به البعض دون أن يدري الآخر؟

[email protected]