رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رجال مبارك العائدون للحكم (2)

عـادل صبـرى

الأحد, 26 يونيو 2011 10:41
بقلم: عادل صبري

يجب ألا نقلل من تجمع أنفار يطالبون بعودة مبارك ونحن علي أعتاب ثورة لم تتشكل صورتها النهائية بعد، ولم نجن حتي الآن أي ثمرة من ثمراتها سوي شعورنا بقليل من الحرية.

حدث ما توقعناه الأسبوع الماضي، بأن رجال مبارك جهزوا عدتهم للإنقضاض علي الثورة، تمهيداً لعودتهم للحكم مرة أخري. فلم تمض أيام علي القسم الذي تفوه به أحد سدنة النظام الخارج من السجن علي ذمة قضية موقعة الجمل، إلا وقد رأينا تنظيماً محكماً لتظاهرة ـ سعت إلي أن تكون مليونية ـ للمطالبة بعدم رفع اسم مبارك من الشوارع والميادين. في نفس الميدان التي انطلقت منه جحافل البلطجية والقوات المحمولة علي الأحصنة والجمال بميدان مصطفي محمود بالمهندسين، وقفت مجموعة تحمل صور الرئيس المخلوع وتطالب بمنع محاكمته. وبعد أن فشلت المجموعة في تنظيم حملتها لجأت إلي مطاردة المارة وضرب السيارات، لرغبتها في فرض حكمها بالقوة.

قد تبدو المجموعة الصغيرة، غير مؤثرة في مشهد سياسي مزدحم بملايين المتظاهرين الذين يخرجون يومياً هنا وهناك، ولكن هذه المظاهرة جاءت مع صحوة رجل مبارك العائد من السجن، والذي أقسم ومعه آخرون أنه سيدفع كل ماله لتمويل مثل هذه الأعمال من أجل العودة إلي الحكم عما قريب. إذن نحن أمام ظاهرة بداية تكوين كرة الجليد التي بدأت تتحرك من أعلي الجبل إلي أسفله، تمشي ببطء وتتشكل بعيدا عن العيون، لتفاجئ الجميع بأنها تحولت إلي كتلة جبلية ضخمة تدك من يقف في طريقها.

يجب ألا نقلل من تجمع أنفار يطالبون بعودة مبارك في هذا الوقت بالتحديد، ونحن علي أعتاب ثورة لم تتشكل صورتها النهائية بعد، ولم نجن حتي الآن أي ثمرة من ثمراتها سوي شعورنا بقليل من الحرية. فنعلم أن كثيرا من المتظاهرين يخرجون في بريطانيا للمطالبة بإلغاء الملكية وتطبيق النظام الجمهوري، وفي اليونان تخرج مظاهرات لعودة الملكية، وفي روسيا يزحف الشيوعيون سنويا إلي الكرملين، للمطالبة بعودة

الاتحاد السوفيتي. هذه النوعية من المظاهرات لاتقلق أحداً مهما عظمت، لأنها تتم وسط مجتمعات مستقرة وعرفت طريقها إلي الديمقراطية الشعبية، وتجري وسط شعوب أكثر خبرة وثقافة.  فإذا وقعت هذه المظاهرات في بلد مازال أغلبه يؤمن بنظام الحكم الفرعوني الأبوي، وتسيطر علي إرادته نخبة كبيرة من رجال الأعمال الذين صنعهم النظام السابق، وسياسيون تربوا علي أيدي المباحث وأمن الدولة والتحالفات السياسية مع نظام سيئ السمعة، وكبار مسئولين في الدولة والأجهزة المحلية، صنعهم النظام علي عينه، فإن المشهد هنا في غاية الخطورة.

لقد نصحني الصديق الدكتور مدحت نافع أحد شبابنا المكافح للفساد في البورصة وسوق المال عقب عودته من واشنطن أن أواصل الكتابة عن خطورة عودة رجال مبارك للحكم. وذكرني المحلل الاقتصادي بما يتم حاليا من فساد داخل الجهاز الإداري للدولة، خاصة في المراكز القيادية التي جاءت لمقاعدها بالفساد والرشوة والتدليس. يقول الصديق: إن معالم الثورة لم تصل بعد إلي هذه الجهات التي تدير الدولة عن طريق 6 ملايين موظف، جاء أغلبهم للتعيين عن طريق الحزب الوطني المنحل وأمن الدولة والأجهزة الرقابية والنقابية الأكثر فسادا. ويستشهد الدكتور مدحت نافع بما يجري في وزارة الاستثمار وهيئة سوق المال علي وجه التحديد من « تربيطات» بين كبار المسئولين لإسناد الوظائف القيادية لشخصيات بعينها، دون اعتبار للعدالة والشفافية وقدرة الناس علي العطاء. فمازالت المحسوبية هي السائدة والعلاقات الخاصة هي التي تحدد  لكل شخص قيمته ومركزه والعمل الذي يقوم به. ويعتبر الدكتور مدحت هذه الفئة هي أركان النظام السابق الذي يختبئ داخل المكاتب الرسمية والأنفاق المظلمة، في انتظار إشارة للخروج منها إلي قصور الحكم من

جديد.

كلام الدكتور مدحت ليس بغريب علي أرض الواقع، فكلما سألت شخصاً عما وجده من تعاملات في المرور أو الكهرباء أو الإدارات الهندسية وأي قطاع في الدولة، يقولون إنها تتجه إلي الأسوأ. بل هناك من يعترف بأنه يضطر لدفع الرشوة بأثمان مبالغ فيها، لإنهاء حاجته، مؤكدا أن أسعار الرشوة ارتفعت مع زيادة المخاطرة من كشفها، في ظل عدم وجود رعاة كبار للفساد في هذه الأجهزة حاليا!. هؤلاء المرتشون الذين ينتمون إلي فئة 83% من الذين يرشتون أو يقدمون الرشوة من الشعب المصري طبقاً للإحصاء الأخير الذي أصدرته وزارة التنمية الإدارية عن مؤشرات الفساد، هم جميعا عملاء نائمون للحكم البائد. فالمرتشي لن يستهويه نظام يطالب بالعدالة والمساواة ودولة القانون، لأنه في الأصل يعلم أن الفوضي والقانون لا يجتمعان، وأن العدل إذا طبق فإنه سيخسر ما يتلقاه من رشي أو يزج به في السجون.

قد يندهش البعض عندما يجد أنصار مبارك يزدادون عدداً، في القري والمدن هذه الأيام، تحت ضغوط زيادة معدلات الفقر والبطالة وعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، ولكنهم حتما سيزدادون مع زيادة المعارك السياسية بين القوي السياسية التي تنشق عن بعضها لدرجة التناطح اليومي وتنظيم مليونيات مرة تطالب بالدستور أولا وأخري تدعو للانتخابات. هذه الانشقاقات شجعت فئة قليلة من أنصار مبارك علي الخروج من أوكارها، لتطلب إنقاذه من المحاكمة، وغدا بالتأكيد تطالب بمنع محاكمة أعوانه، وعودتهم للحكم. ومن الطبيعي أن تنمو هذه الفئة عدداً وقوة، بعد أن لاحظت اهتمام الرأي العام بها، وحصولها علي شرعية التظاهر في مجتمع مفتوح أمام كافة التيارات. قد تتمكن هذه الفئة من التواصل مع بعضها عبر الدوائر الحكومية والحكم المحلي المنتمي قانونا حتي الآن للحزب الوطني، وفلول النظام وأجهزة الأمن التي تدين لمبارك كامل الولاء، وساعتها ستكون الانطلاقة الكبري لكرة الجليد.

إذن نحن أمام تحد كبير للقضاء علي الثورة، فنحن نتخلي عن كل المبادئ التي قامت من أجلها الثورة، عندما يتعلق الأمر بحصولنا علي مناصب ورشاوي وغيره من الموبقات المستعمرة للنفس البشرية وخاصة المصريين. وتزداد هوة الخلافات بين الثائرين والهابطين عليها بالبراشوت والمتحولين إليها بعد انهيار النظام، تصل إلي حد التشاحن والتكفير. ولم يعد فينا من يثق في الآخر بسهولة، بينما هناك الآلاف الذين يشهدون لمبارك ورجاله بالصلاح والتقوي ويطلبون لهم العفو والرحمة، فإلي متي نواصل طريق الضلال عن أهداف أول ثورة صنعها المصريون بدمائهم عبر التاريخ؟

[email protected]