رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بين الكنيسة والإخوان ودولة الفقيه

عـادل صبـرى

الأحد, 12 يونيو 2011 08:59
بقلم: عادل صبري

رغبنا في أن يكون القانون هو السيد والحرية للجميع ولكن البعض يريد أن يدفعنا إلي دولة الفقيه، خاصة أن الوفد العائد من إيران مؤخرا عاد ليبشر فينا بعظمة دولته، ولم يفقهوا أن هؤلاء الروافض لا يريدون بهم خيرا أبدا.

واجهت خلال الأسبوع الماضي هجوما ثلاثيا من الكنيسة والإخوان المسلمين وقيادة صوفية كانت في رحلة مقدسة لدولة الفقيه في إيران. الهجوم الثلاثي، انطلق الخميس الماضي، بنوبة صحيان أطلقها زميل بارز في جماعة الإخوان، عقب نشري مقابلة مع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي التي كال فيها للإخوان والتيارات الدينية، معتبرا أن هذين الرافدين سرقا الثورة ويتجهان بالبلاد إلي المجهول. قال الصديق العزيز: لولا أعرف أنك رجل متدين ومحب لنا لكنت أتهمك بمهاجمة الإخوان والاعتداء علي المتدينين، ولكن يا أخي لماذا تجري حواراً مع رجل كاره للإخوان وكل ما هو متدين، بل كاره للإسلام وكل دين؟.

لم أجد دفاعا عن محدثي الذي نشرت حواره مصورا علي " بوابة الوفد الألكترونية" سوي أنني لا أحمل فكره ولا أضع نفسي في خندقه، ولكن حبي للحرية وأن تصبح الحياة في مصر بعد الثورة شيئا آخر دفعني لإجراء هذا الحوار كي يتنفس الجميع طعم الحياة الحرة النظيفة، ووجدت أن من واجبي أن أمنح كل من حولي هذا الإحساس، وأن أساعده في الوصول بصوته إلي الآخرين، طالما أمتلك قدرة علي الكتابة أو نقل ما يقوله بالصوت والصورة. قبل أن أقنع صديقي الإخواني،فاجأني بقوله: ولكن هذه النوعية من البشر هاجمت كثيرا المتدينين وحملت سلاح السلطة لمهاجمتهم وكانت أداة للبطش والعدوان علي أصحاب الرأي الآخر، فهل تقف مع هؤلاء؟. قلت لصديقي: عندما نمنحهم فرصة التعبير عن رأيهم في هذا التوقيت نمنحهم درسا للمستقبل، حيث نريد أن تكون كل الأبواب مفتوحة للحوار، طالما أن الكلام يتوقف عند الجدل في الرأي ولا يصل إلي حد حمل السلاح أو تقليب السلطة علي أصحاب الرأي الآخر. لم يقتنع صاحبي الإخواني كثيرا بما أقول، ولكنه أنهي المكالمة بتأكيده علي استمرار المحبة والاحترام الموجود بيننا.

جاءت المكالمة الثانية صاعقة، حيث انطلقت بعد سلسلة من الشتائم التي حرصت علي عدم شطبها في التعليقات التي وردت علي مقال" المال الحرام في الكنيسة ودولة الفقيه" الذي نشر الأحد الماضي. اتهمني صديقي القبطي بأنني أشن حربا شديدة

علي المسيحيين، لرفضهم أن تخضع أموال الكنيسة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات أسوة بالمتبع مع أموال صناديق النذور بالمساجد. وأبدي صديقي القبطي، استغرابه من طلبي بأن تكون السيادة للدولة علي أموال المساجد والكنائس معا، مبينا أن أموال الكنائس تأتي من تبرعات القبط وحدهم، فإذا خضعت للدولة فإنها ستذهب لجيوب المسلمين؟!. وأضاف صديقي: الدولة لا تدفع رواتب الكهنة ولا تنفق علي بناء أو تجديد الكنائس فبأي حق تراقب أموال العشور التي يدفعها الشعب القبطي، في وقت تأخذ الدولة الضرائب من الأقباط لتصرف منها علي المساجد التي يهاجم خطباؤها المسيحيين؟!.

كلمة زميلي الغاضبة جاءت شديدة العنف، بصورة لم أعتدها منه من قبل، اضطررت معها إلي غلق باب المناقشة علي وجه السرعة حتي لا نفقد قيمة الحوار، أو يترك الكلام بعض الجراح التي يصعب علاجها مع الزمن. رغم تقابلنا بعد ذلك عدة مرات إلا أنني آثرت عدم الخوض في الأمر مرة أخري، لأن أساس المناقشة تاه وسط الكلام الغاضب، فقد حرصت في المقال السابق أن تكون الدولة هي السيد، وما تحتها من مؤسسات مهما علت أو تجلت قيمتها تقع في اطار التوابع. فلا يصح أبدا أن نعلي من سيادة المؤسسات الدينية ولا العسكرية ولا غيرها علي الدولة، فاعتبار أموال الكنيسة التي تأتي من تبرعات الأقباط المقيمين في البلاد أو الخارج، من أسرار الكنيسة دون غيرها أمر يدفع بالكنيسة إلي مركز أعلي من سلطة الدولة، وإلا لمنحنا نفس الحق للأزهر الذي ينص قانونه علي أنه منظمة إسلامية عالمية، بما يجعل شيخ الأزهر من غير حاملي الجنسية المصرية، وبعض أعضاء مجلس إدارته هم بالفعل من كبار العلماء في الدول الإسلامية. وعلي نفس النهج نمنح الفرصة للمعابد اليهودية بأن تتصرف في المال الذي لديها بعيدا عن عيون الدولة، وعلي نفس المنوال تسير كافة الطوائف والملل المنتشرة في البلاد وأصبحت تعمل الآن علانية وسرا.

يحق للكنيسة أن تحتفظ بمالها وتتصرف فيه كيفما شاءت من خلال المؤسسات الدينية بداخلها، ولكن

من حق الدولة أن تعرف من أين جاءت هذه الأموال وكيف انفقت من خلال الرقابة العملية لجهاز المحاسبات. ونعلم جميعا أن جهاز المحاسبات لا يتدخل في أوجه الصرف ولكن يراقب طريقة الصرف ويراجع الفواتير ويضع توصيات لتتماشي النفقات مع اللوائح التي تحددها الجهات القائمة علي إدارة هذه المؤسسات، بما يعني أنه لن يوجه أموال الكنيسة للمساجد ولا خارج إطار عملها لأن جهة الإدارة هنا هي سلطة الكنيسة الممثلة في المجلس الملي، برئاسة البابا نفسه. والهدف من وراء الرقابة علي أموال الكنيسة كما ذكرنا هو درء الشبهات التي رددها بعض المسيحيين حول تبديد أموالها وما ذكره بعض المسلمين من أن جزءاً من هذه الأموال يتجه لتسليح الكنيسة وصناعة رجال أعمال ومؤسسات مالية توجه سلطة القرار في الدولة.

نعتقد أن درء الشبهات من الأمور المهمة جدا، خاصة إذا تعلقت بمؤسسات دينية، تتدخل في إدارة الدولة وتوجه قلوب وإرادة الناس، وليس بخاف علي أحد أن الكنيسة تدخلت بقوة في توجيه إرادة الناخبين، في الانتخابات الأخيرة، وسارت علي نهجها الجماعات الدينية الإسلامية. هذا التدخل العلني يدفعنا إلي ضرورة أن نواجه الجميع بمخاطر أفعالهم، مهما كانت الكلمات قاسية. فليس من المقبول أن تطالب الكنيسة بقانون موحد لدور العبادة، ثم تفصله علي هواها وكأن هناك طرفا آخر سيقبل إرادتها أو أن الدولة غائبة عن دورها. فالقانون عندما يحتم رقابة الدولة علي أموال المساجد والكنائس ويضع هذه الأموال في نطاق المال العام، فلا يجب أن تعترض الكنيسة ولا المساجد علي هذا الأمر علي الإطلاق. ومن يرغب عن هذا الأمر، فعليه أن يفرض البدائل من خلال الحوار وليس الشروط المسبقة والتصريحات التي تثير الطائفية والبغضاء بين أفراد المجتمع.

الحل الذي طرحناه من قبل بسيادة دولة القانون لم يعجب صاحبي القبطي، ولذا أطرح له رأياً آخر أجده مطبقا في كافة الدول الأوربية المدنية، حيث يمنع القانون تمويل دور العبادة من الموازنة العامة للدولة، ويسمح لتابعي الأديان والطوائف التبرع بأموالهم للإنفاق علي الكنائس أو المساجد أو المعابد وغيرها من مؤسسات البر والمجتمع المدني والجمعيات العلمية، ويحدد نسبة من هذه الأموال من قيمة الضرائب المستحقة عليه سنويا. هذا النوعية من القوانين تمنح رؤساءها أو البرلمان حرية تخصيص مبالغ لحماية دور العبادة للأقليات أو المهددة بالانقراض أو يتعرض تراثها الانساني للخطر، ونحن نعلم أن تلك الأغلبية هي التي منعت حجاب المسلمات في فرنسا، وتخصيص أراض لبناء قبور للمسلمين في بعض دول الغرب، فهل نضع أموال الأقباط تحت سلطة أغلبية نعلم مسبقا أنها تكون مسلمة أم تحت سلطة القانون الذي يشرعه العقلاء غير المهووسين بالدين ومظاهر التطرف؟!.

لقد رغبنا في أن يكون القانون هو السيد والحرية للجميع ولكن البعض يريد أن يدفعنا إلي دولة الفقيه، خاصة أن الوفد العائد من إيران مؤخرا عاد ليبشر فينا بعظمة دولته، ولم يفقهوا أن هؤلاء الروافض لا يريدون بهم خيرا أبدا.

[email protected]