رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أزمة الهوية فى الثورة المصرية

عـادل صبـرى

السبت, 20 يوليو 2013 23:24

بقلم: عادل صبري

تعيش مصر وغيرها من دول ما يسمى «الربيع العربي»، حالة من الفوران السياسي، لم تهدأ منذ أن اندلعت ثورة الياسمين، في تونس، منتصف يناير 2011، وتبعتها ثورة 25 يناير في القاهرة، وتلتها ثورات اليمن وليبيا وسوريا. رغم مرور فترة زمنية على اندلاع تلك الثورات، فإن الأوضاع التي تمر بها مصر وغيرها، لا يتوقع لها أن تستقر على المدى القريب. فالثورات عندما تنطلق، تكون دوافعها هي المحرك لآلة التغيير، بينما لا يستطيع أحد التحكم في تلك الآلة، عندما تدور عبر الزمن، خاصة إذا ما كانت تفتقر إلى زعامات حقيقية، وأيديولوجية واحدة، تدفع غالبية المجتمع إلى خارطة طريق، تعكس حقيقة آمال الشعب الثائر.

عكس الفشل السياسي الذي تواجهه تونس، في نسج علاقة متزنة بين رئيس منتمٍ إلى اليسار العلماني، وبرلمان تسيطر عليه أغلبية إسلامية،في التوصل إلى نظام حكم رشيد يقود البلاد نحو مستقبل آمن. وبينما جاء 30 يونية، بقيادة شباب «تمرد» مدعماً بقوى يسارية وناصرية وليبرالية محافظة وأخرى أكثر تحررا، ومنها منتمية إلى «فلول نظام مبارك»، وعسكرية ممثلة في الجيش والشرطة، معلنا انتهاء حقبة ثورية أخرى، بدأت في 25 يناير 2011، ليعكس عمق أزمة الهوية التي تعيشها الثورات العربية. فتلك الأزمة التي عبرت عن نفسها بشكل قبلي في اليمن، نحت منحى طائفياً في سوريا، أربكت حسابات الداعمين لها، ومع دخول البعد الديني في الصراع الطائفي، أصبح التدخل الجراحي لإزالة نظام الأسد، أمراً صعب التحقيق، رغم اتفاق الفرقاء على أنه سبب تقيح جروح الجسد السورى.
جاءت ردود أفعال الدول العربية والدولية، على ما يحدث في سوريا بعد ظهور مخاطر من انهيار مفاجئ لنظام الأسد، في ظل سيطرة ميدانية لعناصر تنتمي إلى جماعات من تنظيم القاعدة، والإخوان المسلمين، وبروز دور إقليمي لحزب الله، وإيران في سوريا، بمثابة نقطة تحول رئيسية في موقفها الداعم للثورة السورية منذ بدايتها. وعلى النقيض من ذلك لاقت ما يسميها البعض «ثورة الإرادة الشعبية» المدعومة بقوة الجيش في 30 يونية الماضي على حكم أول رئيس مصري منتخب بعد انتخابات أشرفت عليها القوات المسلحة ذاتها، كممثل شرعي لثورة 25 يناير، دعماً مباشراً من الأنظمة العربية التقليدية، خاصة في دول الخليج العربي، وسوريا، ورضاء واسعاً

في كل من الجزائر، والمغرب والعراق، رغم أن تلك أن الدول التقليدية محافظة في معظمها يرفع شعارات دينية، تجعلها من حيث المبدأ أقرب إلى نظام الرئيس المقال محمد مرسي، الذي عكس أفكاراً دينية تروج لها جماعة الإخوان المسلمين الداعمه لنظام حكمه.
عكست ردود الأفعال الرسمية للدول والشعبية التي خرجت بالملايين لتعلن سقوط أول حكم يتبنى شعارات دينية في مصر، عمق أزمة الهوية التي يعيشها العرب حالياً.. هذا السقوط فتح تساؤلاً يجب على الساسة قبل الباحثين أن يجيبوا عنه، ما هو مستقبل الثورات العربية في ظل عالم متغير؟.. فالتغيير العربي، جاء متأخرا، بنحو ربع القرن على انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة بين القطبين العملاقين، وظهور دول جديدة، انضمت طواعية أو قسرا إلى تكتلات سياسية في الشرق والغرب. كما برزت تنافسات جديدة بين الدول، في ظل ما يعرف بعصر «العولمة»، ظهرت في تكتلات اقتصادية، بينما تعكس في حقيقتها صراعات جيوسياسية، وعرقية، ظل العرب بعيدين عنها، تحت أنظمة حكم تقليدية واستبدادية، فما إن انهارت بعض هذه النظم إلا ووجد العرب والمصريون بخاصة أنهم مطالبون بأن يشهروا هويتهم التي ستحدد مصيرهم في عالم «عولمي».
لم تكن صرخة قائد أحد أجهزة القادة الأمنيين، التي سمعتها في ميدان التحرير، عندما انتهت ما نطلق عليه «معركة الجمل» بأن الإخوان المسلمين «ركبوا الثورة» إلا اعتراف بأمر واقع، بأن شرعية السلطة المتهاوية، ستحل محلها، شرعية الإخوان، حيث تمكن فيصلها السياسي المهيمن على الميدان الثائر، من تأمين الثوار، وعدم مغادرته الساحة قبل تنحي مبارك عن سدنة الحكم. هذه الصرخة،وما تلاها من توافقات سياسية بين المجلس العسكري، والجماعة وبعض القوى السياسة، سهلت تبوء التيار الديني للسلطة في البلاد مع تنامي الهوى الديني لدى المصريين، اعتقد البعض سهولة التحول من نظام سياسي علماني أقره دستور 1923، في العهد الملكي ودعمه نظام شبه عسكري عقب ثورة 1952، في دساتير 1956 و1971، نظرة
فاحصة تبين أن الإخوان ومن حالفهم من العسكريين والساسة عقب ثورة 25 يناير، توجهوا في مسار يكاد يكون مضاداً للمزاج الشعبي العام. فلم تندلع الثورات العربية، من أجل أحياء الخلافة الإسلامية أو اقامة دولة دينية على غرار إيران، بل أظهرت الوقائع، والدراسات، أن السبب الأهم لاندلاع الثورات هو انتشار الفساد المالي والإداري، يليه غياب الحريات العامة والهيمنة على السلطة؛ فسوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ثمّ غياب العدل والمساواة بين المواطنين. وكان السبب الثاني الأهم هو سوء الأوضاع الاقتصادية، فغياب العدل والمساواة، وغياب الحريات المدنية والسياسية، والهيمنة على السلطة.
ورغم انضمام شخصيات دينية في إدارة الثورة المصرية وغيرها، فإن وقود تلك الثورات عكس تبايناً كبيراً في موقف الشعوب من قضية الدين، ودور رجال الدين في إدارة شئون الحكم. تبين دراسة للمركز العربي للابحاث ودراسة السياسات صدرت الشهر الماضي بالدوحة، حول قياس الرأي العام العربي، أن مواطني المنطقة العربية انحازوا غالبًا إلى تعريف أنفسهم «بأنهم متدينون» مع هذا لا يتحول التدين إلى عامل محدد في تعاملهم مع الآخرين؛ إذ أفاد 35% من المستجيبين بأنهم يفضلون التعامل مع أشخاص متدينين، مقابل 7% قالوا إنهم يفضلون التعامل مع أشخاص غير متدينين. في المقابل، فإن نسبة الذين قالوا إنه لا فرق لديهم في التعامل مع أشخاص متدينين أو غير متدينين كانت 56%. لهذا يعتقد 76% في مقولة إنه «يجب أن لا يؤثر رجال - شيوخ الدين في كيفية تصويت الناخبين، مقابل معارضة 15% هذه المقولة، و9% بأن لا رأي لهم أو رفضوا الإجابة. تؤكد الدراسة أن الرأي العام شبه متوافق على رفض استخدام الحكومة للدين للحصول على تأييد المواطنين لسياساتها بنسبة 70%».
نستنتج من تلك الدراسة، أن المجتمع العربي وبخاصة المصري في معظمه، يبني قراره على المصلحة، والعائد الذي ينتفع به من النظام القائم، فرغم أنه ثار على الفساد إلا أنه قادر على التعامل معه والتغاضي عن أثره، وعند بحثه عن العدل لا يجد غضاضة في توظيف الواسطة والمحسوبية لنيل الحقوق، وأن ثورته على نظام لم تكن من أجل اقامة نظام ديني بديل وأن عامل التدين ليس عاملًا محددًا أو أساسيًّا في مواقف تجاه غير المتدينين أو أولئك الّذين يحملون وجهات نظر مختلفة في تفسير الدين أو من هم من أتباع ديانات أخرى، إذ إن أكثرية الرأي العام في المنطقة العربيّة ترفض اعتبار كل شخص غير متدين شخصًا سيئًا، كما ترفض فكرة تكفير أتباع الديانات الأخرى أو من يحملون وجهات نظر مختلفة في تفسير الدّين.
لذا نتوقع للثورات العربية، ألا تتوقف عن مسيرتها، لأن قضية الهوية لم تحسم بعد، فالساسة المتدينون لن يستطيعوا الأخذ بناصية شعوب هي متدينة في شكلها، ليبرالية في حياتها اليومية، والقادة الليبراليون لن يتوقفوا عن توظيف الدين، لجذب أنصار جدد.
[email protected]