رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أكذوبة الانفلات الأمني!

عـادل صبـرى

الأحد, 29 مايو 2011 10:24
بقلم: عادل صبري

يحاول البعض أن يحيط المشهد، بجو ضبابي مخيف، للهرب من جريمة ارتكبها أو أملا في الفرار من الحساب، والغريب أن أحدا لم يسأل نفسه: هل مصر أقل من البلاد الأخري أمنا؟!.

مصر أكثر أمانا من الماضي ومن لم يصدق فعليه أن يذهب إلي أقسام الشرطة، ويرينا الاحصاءات الرسمية حول قضايا السرقات وجرائم الاغتصاب والخطف، خاصة التي كانت تتم نهارا جهارا للشباب وأصحاب الرأي السياسي والتوجهات الدينية. فليس بخاف علي أحد أن آلاف المصريين قذف بهم النظام السابق خلف القضبان دون ذنب أو تحقيق، وجاءت الثورة لتكشف لنا عن المقابر الجماعية في مقار أمن الدولة في دمنهور وغيرها، عدا آلاف المساجين الذين قضوا عشر سنوات وما فوقها دون أن توجه إليهم تهمة أو يطلق سراحهم. وتسجل احصاءات وزارة الداخلية آلاف القضايا في طول البلاد وعرضها، عن البلطجة التي كانت تمارس علنا تحت سمع وإدارة ضباط المباحث، شجعت بعضهم علي الخروج علي النظام وارتكاب مجازر بشرية كما حدث في معركة نجع حمادي للأقباط ليلة عيد الميلاد العام الماضي.

بالتأكيد مصر لم تعد أكثر أمانا من الماضي، لأن جهاز الشرطة الذي قبض علي رقبة العباد لمدة عقود متتالية، لايريد أغلب ضباطه العودة علي ممارسة وظيفتهم بما يرضي الله والقانون. فهؤلاء الذين يعيشون علي الماضي، حيث كانت أيديهم علي قفا الناس وفي جيوبهم، لا تريد أن ترتدع بما فعله سفاء النظام في البلاد وجنوه علي أنفسهم. يريدونها فوضي أو أن تسلم لهم رقبة العباد مرة أخري يتصرفون فيها كما يشاءون، ولم يدركوا بعد أن ثورة مصر حدثت بها لأول مرة ثورة شعبية علي الخوف والصمت وعدم تسليم أمورهم لأي صنم كان، ولن يفرطوا في هذا المكسب الذي جاء علي جثث الشهداء وضيق الأرزاق علي البسطاء الغاضبين من تردي أوضاعهم بدرجة مهينة.

شعور المصريين بعودة الكرامة إليهم يدفعهم الآن إلي عدم الانصياع إلي حالة الفزع التي يريد البعض استخدامها لنشر الخوف بين الناس. فقد كان الانفلات الأمني في مصر عقب الثورة في قمته حينما فتحت السجون بأمر الداخلية كي يطلقوا اللصوص وقطاع الطرق علي الشعب، فإذا به يهب لنجدة نفسه ، ولم تشهد البلاد حالة من الأمان التام، كما كانت في الأيام الأولي للثورة، بعد أن أدخل الله السكينة علي قلوب المؤمنين بالثورة،

وثبت المرجفة قلوبهم. حالة الأمان النفسي التي أحاطت بالمصريين، جعلت بعض فلول النظام والبلطجية الذين كانوا يعبدون مالهم وسلطانهم يخرجون من جحورهم بحثا عن ماض تولي.

من الطبيعي أن يثير فلول النظام أمراضا كانت موجودة في الماضي، كان النظام يتستر عليها إما لأنه شريك في صناعتها أو لم يرغب في تعريتها خوفا علي نفسه. ومن غير الطبيعي أن نستمر في إثارة هذه المخاوف، حتي لا تتحول إلي مرض حقيقي يرهب الناس فيصيب قلوبهم بالرعب بما يمرضهم أو يقتل فرحة الثورة في نفوسهم. وحتي نكون منصفين نعترف بأن هناك مئات الحالات التي تقع في مكان أو آخر خاصة في المدن الكبري حول العاصمة والوجه البحري. فالحمد لله الوجه القبلي آمن برجاله وعائلاته وما يثار من قضايا حول الفتنة الطائفية، حدث قبل ذلك مرارا علي يد النظام البائد، أم الوجه البحري من داخل القري والمدن الصغيرة، فالعائلات تحمي نفسها وما نشاهده من فوضي في بعض المناطق، إما من عناصر كارهة للقبضة الأمنية الحديدية، أو عاملة معها. وفي الحالتين الشارع في أغلبه آمن في سيره وبيته وأماكن عمله.

هناك العديد من الممارسات الخاطئة التي تغضب الأغلبية خاصة في الشوارع، ولكن علينا أن نسأل متي كانت الفوضي المرورية غير موجودة أمام أعيننا، ومتي كانت الإشارات مفتوحة بسهولة إلا لمواكب المسئولين؟. فنحن نعلم أن الرشوة والمحسوبية كانتا المحرك للبلاد في كل أمر حتي ساد الفساد في كل مكان، ومن كان يدعي أن الفساد للركب أمام البرلمان تبين أنه كان من رموزه وصانعيه. فلا تجرنا المخاوف من الحاضر إلي البكاء علي الماضي، فلا حرية بغير دم ولا كرامة بدون ثمن.

يحاول البعض أن يحيط المشهد المصري، بجو ضبابي مخيف، للهرب من جريمة ارتكبها أو أملا في الفرار من الحساب، وسط تخبط المصريين من أجل الخروج مما نحن فيه من ارتباك وحيرة. الغريب أن أحدا لم يسأل نفسه: هل مصر أقل من البلاد الأخري أمنا. هذه الاجابة أتتني من

أوربا عبر شهادة من الزميلة العزيزة فكرية أحمد مراسلتنا في هولندا، منذ 15 عاما. قالت الزميلة العزيزة مصر أكثر أمانا حتي الآن من أوربا التي نخشي الخروج في شوارع مدنها الرئيسية بعد العصر أو في المناطق الهادئة خوفا من الاعتداء علينا من النازيين الجدد الذين يطاردون المسلمين والملونين بالرصاص والضرب المبرح. وقد شهدت بعيني في فرنسا والولايات المتحدة المخاوف التي تنتاب أهل عاصمة النور باريس ومركز المال العالمي من السير في شوارع وسط المدينة ليلا، خوفا من السرقة والاعتداء علي المارة، قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر المشئومة.

عندما ذهبت إلي جنوب أفريقيا في يوليو الماضي، لحضور بعض مباريات كأس العالم، فوجئت بأن الشركة التي نظمت الرحلة، توزع علينا قائمة تضم تحذيرات. تبدأ التحذيرات بألا نمشي بمفردنا أبدا في الشوارع ولم تكن رحلتنا إلا في المدن الكبري مثل: جوهانسبرج والعاصمة القديمة، أو الحالية. وتتضمن قائمة التحذيرات: عدم السير نهائيا بعد الخامسة إلا في حراسة أمنية مشددة، ولا تتحرك في المناطق التجارية إلا في حراسة الشرطة أو وسط الأسواق الكبري" المولات" المؤمنة من الداخل. في حلنا وترحالنا كانت ترافقنا مجموعة أمنية خاصة، لاسيما عندما أردنا زيارة المناطق السياحية في البراري، وأثناء مباريات كرة القدم. لم تكن الزيارة لوفد رسمي بل كنا مثل كافة خلق الله الذين حجزوا رحلات عادية لمشاهدة مباريات كأس العالم في دولة تعهد شعبها أن تكون آمنة تماما خلال المونديال، ومع ذلك شهدت البلاد مئات من حالات السرقة والخطف التي وجهت ضد السائحين وأولاد البلد أنفسهم.

كانت الدوافع للسرقة في جنوب أفريقيا باسم الفقر الذي يعاني منه الأغلبية السوداء ويطحنهم منذ قرون، وفي أوربا وأمريكا يتم الاعتداء علي الأجانب تارة تحت ستار العنصرية وأخري تحت غطاء الفقر والبطالة وكره الأجانب الذين يحصلون علي فرص العمل من أهل البلاد. في كل الأحوال الجريمة تقع وتحسب بالأرقام، لأننا في مجتمعات إنسانية غير منزهة عن النقصان ولسنا جميعا من الملائكة ولا كلنا شياطين. ويكفي أن نعلم أن 40٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، و20٪ منهم يوفرون بالكاد قوت يومهم، وهناك ملايين من المصريين يلهثون طوال اليوم وراء لقمة العيش لأنقاذ أهلهم من المرض والعوز، في وقت تخلت فيه حكومات النظام البائد عن علاجهم وتوفير الحياة الكريمة لهم. فهل ننتظر ألا تقع جريمة من بين هذه الفئات طلبا للمال أو لقمة العيش بأي وسيلة وأن كانت عن طريق البلطجة. علينا أن نعيد الحسابات من أول السطر حتي يأتينا اليقين بأن مصر مازالت آمنة بدرجة تكفي للعيش فيها بحرية في أغلب الشوارع ليل نهار، والآمن آت من قلوب الشعب والثقة في الله بأنه سيحمي ثورة مصر ولو كره الكارهون. ومن يرغب عن ذلك فليطرح البديل، أو يجبر الأشاوس ونشامي النظام السابق علي أداء مسئولياتهم التي يحصلون علي رواتبهم بناء علي أداء واجباتهم، وإلا فما عليهم إلا الرحيل.

[email protected]