رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بنــات بكـــــين!

عـادل صبـرى

السبت, 08 يونيو 2013 22:09
بقلم: عادل صبري

لأول مرة أجد للحسد طعماً حلواً، عندما رأيت بنات بكين يمشين في شوارع العاصمة الصينية في الظلام الدامس ليلاً، والساعة تقترب من منتصف الليل. فقد كنت أتوجس من المشي في الحواري الضيقة والشوارع الواسعة التي تحيطها الأشجار في الجوانب والمنتصف، حتى رأيت النساء يمشين فرادا وجماعات. بعض البنات يركبن الدراجات مسرعات في طريق العودة إلى منازلهن من يوم عمل شاق مضن، وأخريات يجرين تحت الأشجار وارفة الظلال، أو يمارسن الحمية الرياضية للحفاظ على رشاقتهن، بعد أن طغت السمنة على بنات وشباب المدن الكبرى في الصين.

كنت أظن أن تلك العادات الدخيلة على المجتمع الصيني مقصورة على الفئات التي تعيش وسط العاصمة، حيث التواجد الأمني الكثيف والمخبرين المنتشرين في كل الأماكن الحيوية في بكين، حتى شاءت الأقدار أن أرى تجربة أخرى في أطراف المدينة التي يسكنها رسميا نحو 20 مليون نسمة، وفعليا 40 مليوناً إلا قليلا. فقد توجهت في زيارة عاجلة للعاصمة الصينية وأقمت لأول مرة في أحد أطرافها البعيدة عن قلب العاصمة، وتحديدا في القطاع الغربي القريب من الجبال الشاهقة التي تحتوى بعض قممها على سور الصين العظيم. ورغبة في التعرف على أحوال المدينة التي تعد العدة لأن تكون قبلة السياسة والاقتصاد في العالم، بعد أن احتلت الصين المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، حرصت على استقطاع جزء من الوقت المخصص للنوم للتجول في الشوارع المحيطة بالفندق الذي نزلت به.
هالني أن أجد النساء يمشين في ظل ضوء خافت ولا يخشين أية مكروه. ورغم دعوات جهات رسمية لبنات الصين وخاصة في بكين وشانغهاي بالتحشم، أثناء ركوب المواصلات العامة والتواجد في المناطق المزدحمة بعد تنامي ظاهرة تصوير بعضهن في أوضاع غير لائقة ونشرها على الإنترنت، فبنات الصين يظهرن تحررهن الطاغي من الملابس في نهار وليل بكين شديد الحرارة والرطوبة صيفا. لاحظت أن الخوف من التعرض لهن أمر غير موجود في ذاكرة البنات والنساء، مع ندرة التواجد الأمني واقتصار الرقابة الأمنية بالكاميرات على التقاطعات المهمة في بكين.
من هنا ظهر الحسد الذي أبديته على بنات بكين، وقدرتهن على السير بدون إزعاج في الشوارع. وعندما تناقشت مع العديد من الزميلات والزملاء الصينيين عن

تلك التجربة، تندروا هم بما كان يشعرون به في قاهرة المعز. فقد كانوا يعشقون عاصمتنا التي لا تنام، وكانوا يعشقون زيارتها أو تكليفهم بالعمل فيها من قبل الجهات الرسمية في الدولة أو صحفهم وقنواتهم التليفزيونية، للتمتع بالعيش في المدينة الآمنة التي لا يمس فيها رجل أو امرأة ويستطيعون أن يتجولوا في طرقاتها في أي وقت يشاؤون.
التناقض في المواقف، أعادني إلى الوراء قليلا، حيث كانت بنات الصين تخطف كـ«جواري»، بينما كانت جواري مصر تأتي من الخارج برخصة تجارة رسمية، لا يمكن العبث بها إلا عبر وكالات النخاسة. وفي أحلك الظروف السياسية، ظلت البنت المصرية بعيدة عن المساس بها، بينما القهر يقع في أغلبه على الرجال، حتى بدأ عصر عبد الناصر بتعذيب المرأة داخل السجون في الخفاء، بينما تحولت المرأة في عهد الرئيس المخلوع إلى سلعة للمقايضة الأمنية في البداية بين الأمن والجماعات الإسلامية، ثم بين الأمن وأهالي سيناء وغيرهم في الصعيد والاسكندرية. أصبحت المرأة وسيلة للضغط على الرجال لتسليم ذويهم إلى السلطة.استباحة الأعراض بهذه الطريقة الرخيصة جعلت البنت المصرية سهلة المنال في المدارس والجامعات والشوارع، فكثرت ظاهرة التحرش من اللفظ إلى الفعل، ومن الهمس بكلمة سيئة إلى اللمس في أماكن حساسة «عيني عينك». وأتي الأمن المصري ببدعة غريبة، امتلك بمفرده حقوق ملكيتها الفكرية في العالم كله، عندما كلف مجموعة من خريجات السجون، وربات السوابق، بالتصدي للمتظاهرات والنشطاء السياسيين، وتشهد سلالم نقابة الصحفيين، على «أوسخ» فعلة ارتكبها الأمن عندما أمر عدة بلطجيات بجذب صحفيات وبنات في المظاهرات من صدورهن، لإبعادهن عن المظاهرة التي كانت ترفض التوريث ونتائج انتخابات عام 2005. لذلك لم يكن غريباً أن يطأ أحد الجنود البنت المصرية بحذائه الميري، ويعريها في ميدان التحرير، لأن المدرسة التي تربى فيها، منحته هذه الرخصة غير الأخلاقية وجعلته لا يشعر بالعار عندما يرى بنت مصر عريانة، أو
يعري جسد أخته أي إنسان.
العودة للذاكرة تتحول إلى أمر مؤلم، خاصة إذا كنا ندعي أننا أصحاب دين وقيم ومبادئ. فها هو المجتمع الذي نطلق عليه أحيانا بالكافر أو رسميا بالشيوعي غير المؤمن بالأديان، استطاع أن يقر نظاما يحافظ فيه على بناته. بدا المجتمع الذي يقر في أغلبية باللادين ويؤمن بعضه بالبوذية والأحجار والجبال والأشجار، أكثر أمنا من مجتمعنا الذي يدعي بأنه مسلم أو مسيحي. هذا الأمان الذي تتمتع به البنت الصينية لم يأت من إيمان داخلي في قلوب الناس، لأن العقائد الشيوعية التي تدرس لهم في المدارس، تعتبر الأديان أفيون الشعوب. والذي يدرس الفكر الماركسي يعلم أن الكثير من مفكريها ارتكبوا أفظع الجرائم، لأنهم يرفعون شعار « إذا غاب الله فكل شيء مباح».
إن الأمان الذي جعل بنات الصين يمشين في الظلام الحالك في الشوارع والحقول، لم يأت من قلوب تدعي أن الإيمان ينير قلوبها، أو تروج سلعا دينية، بل من قوانين وضعتها الدولة وألزمت بها الجميع.فعقوبة المتحرش باللفظ تصل إلى 15 يوما في السجن خلال لحظات. ومن يتعد الحرمات بالقتل والسرقة بالإكراه يعدم. فها نحن نمتلك القوانين الشرعية والفرنسية التي تجرم كل الأفعال المشينة التي ترتكب جهارا ضد بناتنا بل وشبابنا ورجالنا، ولم نتخذ خطوة ايجابية نحو ردع المجرمين، فازداد اجرامهم. ومن العجب أن هناك من يحاول الخلط بين أعمال البلطجة والنشاط السياسي. فالسياسي لا يهاجم آمنا في بيته، ولا يقف على الطرقات لقطع الطرق ولا يخطف طفلا لطلب الفدية، ولا يسرق سيارة، وغيرها من الجرائم التي تضع مرتكبها تحت طائلة قانون العقوبات. ومن الواضح أن هناك خلطاً متعمداً من البعض في هذه القضية على وجه التحديد، حتى يختلط الحابل بالنابل ولا تستطيع الدولة مواجهة العنف وحالة الفوضي التي أضاعت الأمن في الدولة برمتها.
لن تعود مصر آمنة لمجرد أن أهلها من المسلمين أو المسيحيين الذين يتقون الله، فمن المؤسف أن نجد الفئة المؤمنة بربها حقا، هي التي تتعرض لكل هذه الموبقات، ولا تجد من يحميها من البلطجية واللصوص. وها قد أشرت في مقالات سابقة، إلى ما تعرض له أحد أترابي من قتل عمد وسرقة بالإكراه وهو في فراشه، ولم تحرك الداخلية ساكنا. وذكرت من قبل عن حالة المصرية التي تعرضت للمضايقات الأمنية لمجرد أنها اشتكت لوزير الداخلية عن جرائم ارتكبها بعض الضباط والعاملين بالمحليات في المعادي. النهاية المفتوحة لهذه الأحداث جعلت المجرم أكثر اصراراً على مواصلة أفعاله، والمهانون هم الذين يتوارون عن الأنظار طلباً للأمن والسكينة. لهذا نقلق على بناتنا إذا مشين لمدارسهن نهارا، ونموت عليهن رعبا عندما يتأخرن عصراً، لأن شوارعنا ضاع منها الأمان، فلا يمكننا أن نقول إننا مؤمنون حقا لأنه إذا ضاع الأمن فلا إيمان.
[email protected]