رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دماء قتلانا فى رقبة الداخلية والرئيس

عـادل صبـرى

السبت, 25 مايو 2013 22:19
بقلم: عادل صبري

استقبل الرئيس محمد مرسي وقادة أركان النظام، جنودنا المخطوفين في سيناء، بفرحة غامرة. فالحادث لم يكن الأول من نوعه، ولكنه كان نقطة فاصلة في قدرة الدولة علي مواجهة عصابات تجرأت علي كل شىء، لدرجة خطف جنود مصر، الذين نعتز بهم ونعتبرهم خير أجناد الأرض. شارك المصريون الرئيس في الفرحة، ونحن معهم، رغم حالة الحزن التي نعيشها بعد اغتيال أحد أترابي علي يد عصابة أخري وهو آمن في بيته في قرية البلامون بمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية. مع ذلك لم يردعنا حزننا الشخصي عن متابعة الهم العام، حيث تحول إلي نقطة حوار بين الجالسين في مقر العزاء.

في لحظة الفرح التي بدا عليها الرئيس، فاجأ الجميع بكلمات غاضبة، وبلغة التهديد، مطالبا أهل سيناء بتسليم أسلحتهم إلي الدولة. هنا أيقنت أن الرئيس الواقف بين أركان حكمه من العسكريين والشرطة ومجلس الوزراء، أصبح بعيدا تماماً عن أرض الواقع. وتأكدنا من ذلك بعد أن كرر الرئيس تلك الكلمات، وعززها بأن الدولة قادرة علي توفير الأمن والأمان لكل المواطنين. فالرئيس الذي بدا منتشياً بنصر شاركت في صنعه قبائل وعشائر سيناء وعلاقات جيدة رسمتها منذ سنوات المخابرات الحربية، لا يعلم أن الأمن

في البلاد أصبح سداح مداح.
نطق الرئيس بتهديداته، في الوقت الذي كان يطالب من حضر حولي جنازة صديق الطفولة القتيل الفلاح البسيط المواطن أحمد محمد الشيخ بأن يحملوا السلاح دفاعا عن عائلاتهم وأموالهم وأعراضهم. فقد كان حادث القتل الذي شهدوه لرجل تشهد له البلدة بالصلاح والتقوي، عاش نصف عمره في مدينة الرسول الكريم بالسعودية، وعاد يمارس الفلاحة في أرض أجداده، ويزيد مساحتها أضعاف ما ورثه، دافعا وراء مطالبة الناس جميعا بحمل السلاح. فقد هال الناس أن يغتال أفضلهم خلقا وأقربهم للفقراء من حوله، في فجر ذاك اليوم، وعندما استنجدوا بالشرطة لم تحضر إلي ساحة الاغتيال إلا بعد 5 ساعات. وعندما جاءت تلكأت في محاصرة موقع الجريمة، حتي كادت تختفي معالمها. هال الناس أن تتحرك الشرطة والنيابة العامة في متابعة قضية قتل بشعة تمت لرجل في عقر داره، في يوم مقمر، جعل بعض الناس يرصدون حركة
الجناة الذين تربصوا بالقتيل، خاصة أن كثيرا ممن حوله يعرفون أنه كان يحمل في ذاك اليوم مبلغا ماليا كبيرا، يحتفظ به في بيته، وأن الجناة توجهوا لسرقة المكان المرصود، وقتل الرجل في حجرته، دون المرور علي أية أماكن أخري بالمنزل.
يعتبر الأهالي القضية سهلة الحل، ومنهم من ساعد الشرطة في تقديم أدلة تحل لغز الاغتيال بسهولة، بينما الشرطة لا تتحرك لعدة أيام، بزعم خوفها من القبض علي أشخاص لمجرد الاشتباه، لأن القوانين تغيرت، ويصعب عليهم إدانة أي فرد إلا باقراره بجريمته دون عنف أو القبض عليه لعدة أيام. وجد الأهالي الشرطة تتقاعس عن أداء مهتمها، بحجة أن الأوضاع تغيرت بعد الثورة، وليس لديهم قانون الطوارئ الذي كان يمكنهم من تعليق المشتبه فيهم في الفلكة وتعذيبهم حتي يحصلون علي اعتراف منهم بجرائمهم. دفع التقاعس الناس إلي دعوة الجميع لحمل الأسلحة في بلدة يسكنها نحو نصف مليون شخص منهم تجار أطيان ومحاصيل وسلع، وسيارات، لأن الشرطة في نظرهم لن تمارس دورها في حمايتهم. وانتفض أهل القتيل متجهين نحو طريقي السنبلاوين - الزقازيق والسنبلاوين – ميت غمر لمنع السير عليهما لإجبار الدولة علي الاهتمام بقضية قتيلهم. وهي عادة انتشرت في مصر بأثرها للضغط علي الدولة في إعادة المخطوفين ومواجهة السرقات والاقتتال علي الطرق. وانضم إلي تلك الدعوة آلاف من المواطنين الذين يخشون علي أنفسهم وأهليهم من عصابات القتل والسرقة التي تفشت في تلك المنطقة وغيرها في أنحاء الجمهورية، لولا تدخل بعض العقلاء لثنيهم عن انتفاضتهم لمنح ضباط الداخلية فرصة التوصل إلي مرتكبي الجريمة، الذين يوقنون أنهم يوجدون علي أمتار من جثة القتيل.
تحرك الأهالي واصرارهم علي حمل البنادق، واكب كلمات الرئيس بدعوته إلي تسليم أهالي سيناء للسلاح. فكلام الرئيس ينم عن بساطة في الفكر، ورؤية معاكسة للواقع. فهو لا يعلم أن الأمن
في سيناء تدهور منذ عدة سنوات قبل الثورة. ومن الأسباب الحقيقية التي جعلت أهالي يحملون السلاح، تصرفات وزارة الداخلية ضدهم، حيث تركت بعض صغار الضباط يشعلون فتنة بين القبائل والدولة، وألقوا القبض علي عواقلهم، وشلحوا بعضهم من قيادة العشائر، وأخيراً وضعت المئات منهم بالسجون، مما خلق في قلوبهم شهوة الانتقام. لم يتغير الوضع كثيرا بعد الثورة، التي عول عليها الناس في سيناء بأن تتغير سياسة الدولة تجاههم فترد إليهم كرامتهم وحقوقهم المهدرة، فإذ بالأوضاع تزداد سوءاً. أصبح السلاح ملاذهم الأخير، يوجهه البعض تجاه الدولة، بينما الأغلبية تحمي نفسها في بيئة صحراوية قاسية، يسودها قانون الغابة ويسكنها اللصوص وتجار السلاح والذئاب.
دعوة الرئيس لم تعد في محلها، فليس من المطلوب أن يلتزم المواطن بالقانون، ولم يعد المصري البسيط آمنا في مضجعه، في قري مصر بالدلتا أو الصعيد، رغم تحصينات البيوت وكلاب الحراسة التي زادت تجارتها في كل مكان. لن تكون لكلمات الرئيس أية فاعلية وهناك آلاف من الضباط بالداخلية، لا يمارسون مهامهم، انتظارا أن يرحل الرئيس الذي جاءت به ثورة يكرهونها، أو نظام ظلوا لسنوات يتعلمون كراهيته. ولن تصبح لكلمات الرئيس أية قيمة ووزارة الداخلية غير قادرة علي توفير الأمان وتقيم القانون في كل مكان. لذا أصبحت تلك الكلمات عديمة الجدوي بل مثيرة للضحك عند الكثيرين، خاصة أمثالنا الذين استمعوا إليها وهم في شدة الحزن علي فقيدهم الذي قتل في سريره، لأنه رفض أن يفعل مثل آلاف المزارعين حوله بأن يحمل السلاح، لحماية أرضه وماله، ولم يستمع لنصيحة الناس بأن الشرطة لا تدافع عن نفسها بقوة القانون، لأن القوانين الحالية لا تعجبها أو لم تتمرس علي العيش في كنفها حتي الآن.
ذكرنا في مقال الأسبوع الماضي، أن مصرية تبحث عن وطن بلا مبارك ولا إخوان وشددنا علي الدور الذي مارسه وزير الداخلية في حماية تلك السيدة، بينما ضباطه لم يكملوا مسيرة الحماية لها، خوفاً من المسئولين من الإخوان الذين يتعقبونها. واليوم نذكر وزير الداخلية بأن دماء المصريين التي تهدر في أنحاء البلاد ستظل معلقة في رقبته، ورقبة رئيسه إلي يوم الدين. فإذا كنتما لا تلقيان للناس بالاً فعليكما أن تتذكرا قدرة الله عليكما، وأن دماء الناس لها حرمة لا يمكن محوها إلا بمعاقبة القاتل وعفو صاحب الدم. لا يجب أن ينتظر الرئيس أن يسلم الناس أسلحتهم طواعية، وهو غير قادر علي توفير الأمان لهم في الشوارع والبيوت، وليس عليه أن يهدد مواطنا يظن أن السلاح في يده هو العاصم له من الأشرار الذين يتربصون به، أو الشرطة المتخاذلة عن حمايته في أي مكان، فحماية الناس لأنفسهم واجبة، بأمر الشرع وصحيح القانون.
[email protected]