رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أصبت كبد الحقيقة يا أنبا بـــولا

عـادل صبـرى

السبت, 02 مارس 2013 23:23
بقلم: عادل صبرى

من عادة الأنبا بولا أسقف الكنيسة الأرثوذكسية بطنطا ألا يتحدث في أجهزة الإعلام. وخلال معرفتي به منذ ربع قرن، عبر حكيم الوفد العظيم الدكتور محمد على شتا، يرحمه الله، وجدت فيه محبة كبيرة للناس، وحرصا على مشاركة المصريين

في الحوار الدافئ. لذلك لم تخل مجالسه من الحديث عن هموم الناس ومشاكل المصريين، وخاصة الشباب الذين يحرص على مقالبتهم ومناقشتهم ويحتضن أفكارهم كأنهم زعماء وقادة. لذا أحبه شباب الوفد بالغربية منهم الزميل سيد موسي المغترب جسدا في الولايات المتحدة وكل يوم بروحه واتصالاته يتحدث مع مجموعته القديمة، وغيره من الشباب الذي تربي علي يديه مثل الزميل محمد المسيري عضو الهيئة العليا بالوفد.
العلاقة القديمة بين شباب الوفد ورجل بقيمة الأنبا بــولا جعلتنا نستأنس دائما بحواره الشائق ونستمع إلى نصائحه الرصينة. فى وقت يقف الوطن فيه على مفارق طرق، جاءت كلمات الرجل عبر أول حوار مباشر معه مع الإعلام، بعد تعيينه متحدثا باسم الكرازة المرقسية، مع الزميل كارم محمود على قناة الجزيرة مصر. وببساطة الرجل أجرى نيافة الأنبا بولا الحوار على مقاعد المصلين في الكنيسة البابوابة بالعباسية، لأنه اعتاد البعد عن البهرجة، ويعرف قيمته العليا. شاء القدر أن أستمع إلى الرجل في أهم نقطة في  الحوار، عندما سأله المذيع عن كيفية الخروج من الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد؟. انطلق الرجل كعادته في شرح الوقائع، بتسلسل علمي  وتحليل واقعى.
حسم الأنبا بــولا الخروج من الأزمة الحالية بضرورة أن يجلس الجميع في حوار سياسى، للخروج من الأزمة الحالية. وقال: إن مصر لن تتغير في المرحلة المقبلة إلا عبر صناديق الاقتراع، لأن الحل البديل أن يتقاتل الجميع. وعكس الرجل تجربته التي عاشها في نقاش كبير مع بعض الأخوة المصريين في الخارج خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، الذين دعوا إلى تشجيع الأقباط على الهجرة، خوفا من اضطهاد الإسلاميين وتوجه المجتمع إلى بناء دولة الإخوان. وأكد الأنبا بــولا رفضه

لهذا التوجه لأن مصر ستظل بلد الأقباط والمسلمين معا، وأن الحالة التي تمر بها البلاد مؤقتة ولا يجب أن يبنى مستقبل أمه على مرحلة متغيرة، ويمكن أن تتبدل سريعة.
أطروحة الأنبا بولا رجل الدين والسياسة المحنك تتفق مع ما سبق طرحه في وثيقة الأزهر التي أعلن عنها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف. فأصبحنا بذلك أمام رؤى رجال دين مستنيرين، أكثر عمقا وفهما للواقع، وأكثر حرصا على بنية الماضي وبناء المستقبل. هذه الرؤية المخالفة لكثير من الساسة، وتعويل البعض منهم على إمكانية دخول طرف أجنبي قوى في الضغط على نظام يقوده رئيس ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وحكومة تأتمر بهم، يعكس أن البلاد أصبحت على شفا حفرة من النار.
إن الجولة التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيرى اليوم في القاهرة، بعد اتصالات مع قيادات القوى السياسية من كافة الاتجاهات، تعكس المخاوف التي تحدث الأنبا بولا ووثيقة الأزهر عنها. فمصر تاريخيا هي التي كانت تتدخل لحل نزاعات الآخرين، وليست هي الدولة التي يتدخل الآخرون لحل مشاكلها الداخلية. فعادة يأتي الأمريكان وغيرهم يطلبون من مصر حل مشاكل لبنان أو العراق وبالطبع فلسطين، وعندما يأتون اليوم لنجلس معهم على طاولة حوار من أجل بحث مشاكلنا الداخلية، فنعتقد أن هذا مؤشر أن مصر في طريقها إلى عصر الاضمحلال.
نظرة إلى ما فعله الغرب بنا بعد الحرب الإنجليزية الفرنسية على الأسطول المصري في عرض البحر المتوسط إبان عصر محمد علي، لمنعه من التوغل في اليونان، لحساب الوالي العثمانى، لم يكن التدخل عبر اتفاق لندن عام 1841 إلا بداية لتحجيم الجيش المصري بعدد 18 ألف جندي ومنع
التصنيع العسكري واحتكار صناعات كثيرة أنشاها الوالي الكبير باني مصر الحديثة. وكانت هذه الاتفاقية هي التي مهدت للاحتلال الانجليزي لمصر عام 1881، لأن الانجليز كانوا يعلمون مدى الضعف الذي أصاب الجيش المصري وترهله وقلة امكاناته. واعتقد أن الحرب الأمريكية على العراق التي كانت تروج في السوق المصري والعربي والدولي من الأوربيين وبعض العرب وكتابنا المصريين، كانت تسوق فكرة الاحتلال على أنه بداية لاطلاق عصر الحريات في الشرق الأوسط، وصناعة نموذج ديمقراطي حديث، فإذا به يتحول إلى أفضل نموذج لزراعة العنف والطائفية والكراهية بين أبناء الشعب بل الطائفة الواحدة.
عندما يفشل أبناء مصر في التحاور فيما بينهم فالعنف قادم لا محالة، لأن الضمانة للأمن والثقة في الآخر لا تصنع على أيدى قوة أجنبية، مهما كانت قيمتها. وكثيرا ما تحاورت مع أكاديميين غربيين محترمين وشرقيين أكثر احتراما، يثقون أن مصر بتاريخها الحضاري قادرة على صناعة نموذج ديمقراطي على طريقتها الخاصة. فمصر الكبيرة في نظر هؤلاء، لديها القدرة على ولادة الأفكار الواقعية التي تناسب أهلها وتكتسب قوتها من تاريخها العريق. إذن نحن مكلفون بالبحث في الداخل عن حلول لا أن تأتي الأفكار عبر الأمريكان أو غيرهم. وعلينا أن نستمع إلى لغة الحوار لأن القادم كما يقول الحكماء أمثال الأنبا بولا وشيخ الأزهر سيكون أسوأ. فإذا ما ضاع منا الحوار، فالعنف هو الوسيلة الوحيدة لفرض الرأي إن لم يكن مقدمة لأي حوار آخر. نصيحة الآباء الكبار لا يمكن تجاهلها، وقد أصبحنا نرى العنف جهرة في الشوارع وداخل البيوت، بل أصبح لغة معتمدة ويشاد بها داخل أعرق المؤسسات في الدولة، مثل البنك المركزي ومكاتب المحافظين، وسلم نقابة الصحفيين اليوم خير شاهد على تردي لغة الحوار الذي أعقبه مطاردة نقيب مهنة القلم بالضرب والركل أمام الناس وأجهزة الإعلام جهرة.
لا يحتج البعض بأن لغة الحوار لا تفيد في زمن أغلق فيه النظام آذانه عن الجميع، أو تاهت المعارضة عن الطريق الرشيد، فإطالة الحديث حول أمر مهم خير من انقطاعه ليبدأ حديث لغة البنادق. فإذا ما استطاع أحد ايقاف لغة الإساءة فمن المؤكد أن العنف سيصبح سيد الموقف ولا يملك أحد ايقافه. هنا الخسارة لن تقع في جانب واحد بل ستصيب بلواها الجميع. وها نحن نرى الشباب الذي لم يشارك في الثورة أصبح أكثر عنفا لأنه اعتقد أنه السبيل الوحيد لنيل حقوقه، ويتعلم من هؤلاء آخرون على سبيل المزاح، فيصبح العنف لغتهم في الحياة.