رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ما بعد بلطجة «البلاك بــلوك»!

عـادل صبـرى

الأحد, 24 فبراير 2013 00:10
بقلم: عادل صبري

لم تمر أيام على اختفاء الملثمين السود «البلاك بلوك» من الشوارع وحول أماكن التظاهرات، بعد صدور قانون «تنظيم التظاهرات» الذي يجرم الملثمين ومرتدي النقاب في المظاهرات، إلا وحدث ما توقعناه. فالظاهرة انتشرت بسرعة البرق في المحافظات،

تلقفها كثير من البلطجية محترفو الإجرام، وبعض الشباب الطائش، الذين يفزعون المارة على تقاطعات الطرق، وخطف ما يحملون من أموال أو أمتعة عنوة. وأصبحت فئة صغار التجار هم الأكثر عرضة للملثمين في الأرياف بينما البنات في المدن يواجهون أعمال الخطف يوميا. اللافت في الأمر أن المجتمع أصبح دوره أكثر سلبية في مكافحة الظاهرة، فالأمن لا يتدخل في مثل هذه الأمور إلا إذا أصر المعتدي عليه أن يذهب للقسم ويحرر محضرا بالواقعة، سواء كانت خطف أموال أو سيارة وغيره. والناس أصبحت تتعامل مع الظاهرة وكأنها من الأفعال العادية اليومية، فتعايشوا معها لدرجة أنهم لا يحركون ساكنا عندما يرون بنتا تصرخ وتستغيث بمن حولها، أو يفاجئها أحد الملثمين والبلطجية ويمسك بحقيبتها، ويهرب بها أمام الجميع. بل المشهد تعدى أكثر من ذلك فأصبح الفتية من الرجال يتعرضون لما يعرف شعبيا بـ«التثبيت» ليس في أماكن نائية فحسب،بل على قارعة الطرق وفي الأماكن المزدحمة بالسكان.
عندما تقرأ عن أعمال البلطجة تجد أجهزة الإعلام وكثيراً من القوى السياسية تحمل النظام الحالي مسئولية انتشارها. وعندما تشرع الحكومة في مكافحة الظاهرة تخرج نفس الأصوات لتحذر المجتمع من خطورة القوانين التي صدرت لمكافحة البلطجة، على الحريات العامة. وتغض الأطراف المتناحرة على السلطة عيونها عن أن البلطجة كانت عملا ممنهجا في ظل النظام السابق، ولكنه كان يخضع لتنظيم محكم مثلت الاضلاع، أطرافه أجهزة الأمن وبعض الساسة ورجال الأعمال، وعصابات الهناجر ومرشدي المباحث في كل مكان. فربما غاب عن البعض ما كتبناه مرارا قبل اندلاع الثورة بعام، من دراسات أجراها خبراء في الأمن العام، مثل التي أجراها اللواء رفعت عبد الحميد مدرس العلوم الجنائية بأكاديمية الشرطة، والتي أحصى فيها عدد البلطجية في مصر عام 2009، بنحو 600 ألف بلطجي. هؤلاء البلطجية كانت الداخلية تعرف مكان وقيمة و تسعيرة أعمال كل

منهم، والتي ترتفع قيمتها في فترة الانتخابات البرلمانية، بسبب إقبال رجال أعمال وساسة من الحزب الوطني المنحل في حينه على توظيفهم لضرب خصومهم السياسيين من داخل الحزب الحاكم ذاته وبالطبع المعارضة.
إذن البلطجة كانت ظاهرة معروفة الهيكل والوظائف والقائمين عليها وجيوش العتاه الذين يتلقون الأوامر لتنفيذها في الحال، مع ذلك تصر قوى سياسية على الزج بالثورة في أتون المعركة التي نعيشها الآن. فمن بين القوى السياسية هناك من يرفض تطبيق قانون تنظيم التظاهرات، لأنه يدعم يوميا حركات الخروج على السلطة التي يراها غاشمة. ولا يدري هؤلاء الساسة أن المتظاهرين بالأجر اليومي، سيحولهم تدريجيا إلى جهة منظمة تمارس البلطجة اليوم لحسابه وغداً سيوجهون طاقتهم لمن يدفع أكثر. فإطلالة سريعة على قوافل المتظاهرين في ميدان التحرير وغيره من الأماكن الساخنة في الدولة، تبين أن فئة كبيرة من البلطجية تندس بين الناس لتأجيج التظاهرات وحرق المنشآت وإحداث حالة هلع نفسي بين الناس. فهؤلاء بحكم السليقة يعلمون أن تلك الأفعال تدفع الناس إلى الخوف وطلب الأمان بأية وسيلة. وفي غياب الأمن الرسمي سيأتي بالطبع دور البلطجية في اقراره، عبر انتشار عصابات الحماية التي كانت تمارس دروها في الأماكن النائية والمدن الجديدة، قبل الثورة والآن بسطت يدها على كثير من الأنشطة، وأصبحت تتقاضي أجورا لحماية كبار المزارعين وكبار التجار داخل المدن.
لقد عدنا إلى زمن الحرافيش وفتوات الشوارع بإرادتنا مع غياب دولة القانون. وقد أعجبني ما أطلقته الدكتورة رباب المهدي في محاضرة شيقة نظمتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة الأسبوع الماضي، عندما قالت: إن كل الأفعال غير الأخلاقية أصبحت تلصق بالثورة، وكأن الأشياء السيئة الآن لم تكن موجودة من قبل. واتفق معها صديقي العزيز الدكتور سعيد صادق استاذ علم الاجتماع بالجامعة، على أن هناك نوعاً من الإرهاب يمارس ضد المجتمع والمرأة بصفة
خاصة، هدفه نشر ثقافة التخويف والاستعانة بالميليشيات التي تعمل في غيبة الدولة. وأتفق الخبراء المشاركون في الندوة من بينهم الدكتورة أمينة البنداري وهاني هنري والإعلامية ضحى الزهيري، على أن الثورة بريئة من تلك الأفعال الإجرامية، التي تمارس التحرش بالسيدات والعنف، لأن الناس شاركت في الثورة اعتراضا على الأوضاع غير المرضية للجميع. فغضب الناس الآن، يأتي بعد أن تحول الحال إلى ردة عن الطموحات وليست على الواقع الفاشل الذي كنا فيه.
لم يبالغ هؤلاء الخبراء عندما بينوا أن الثورة بريئة مما يحملها البعض بكل العيوب التي نعيش فيها وبينها الآن، فالثورة ليست زرا يحول الواقع الأليم إلى آخر مبهج، بل كشف أسوأ ما فيه من حقائق تبين أنه كان ومازال مليئاً بالتطرف والفقر وسوء الأخلاق.
من الغريب أن نرى أقوال خبراء في الجامعة الأمريكية التي ينتمي أعضاؤها عادة إلى الطبقة الارستقراطية ليبرالية الهوى، منسجمة مع واقع المجتمع العام، الذي يقوده إسلاميون لم يأتوا من المريخ فجأة، بينما غابت تلك الرؤى عن أغلبية الساسة المفترض فيها أنهم أكثر قربا من الناس والشارع، الذين يدعمون مظاهرات العنف اليومي. فنسى هؤلاء الساسة أن اعتياد القبح والعنف يحول المجتمع إلى غابة يسكنها غلاة البشر. ولا يمكن لمجتمع نسى التسامح والتحضر والأمان أن يعود إلى حياته الأولى إلا إذا تغير عبر أجيال زمنية طويلة. فما نراه على الساحة حقا أن هناك ساسة يعيشون على شعارات لا يطبقونها على أنفسهم، وهذا الحكم يتعلق بكافة أطياف اللون السياسي الإسلامي واليساري والاشتراكي والليبرالي، وغيرهم. فلم تبدأ أعمال البلطجة ولا التحرش ضد النساء في ظل حكم الإسلاميين، ولم يمنحنا الإسلاميون الحكم العادل الذي ننتظره منهم، وبشرونا به. فكل طائفة ترفع شعارات لم يتعرف الناس عليها عن قرب.
ستظل المعركة مستمرة بين البلطجة بأنواعها السياسية والجسدية إلى حين أن يحسم الشعب كلمته. فالذين يعتقدون أنهم قاموا بالثورة، وسلموها لأهل الحل والعقد خاطئون عندما تركوا دورهم القيادي في المعركة. فالأمن لن يأتي للناس على طبق من ذهب، والديمقراطية في ظل مجتمع متخلف ثقافيا واقتصاديا لن تسفر إلا عن صراعات بين الصفوة الحاكمة وأصحاب السلطة والمال. فالحكم العادل الذي ننتظره لن يأتي إلا إذا تغيرنا وحاولنا التعلم من تجارب الآخرين، ونقطة البداية هنا ألا نجعل بعض الساسة يدفعوننا نحو العنف أو نخشي البلطجة فنطلب من خبرائها الحصانة أو نستسلم لمطالبهم، وبعيدا عن الشعارات الرنانة علينا أن نبحث عن نظام عادل نحصل منه على حقوقنا، بسيف القانون وحده. فلا يهم أن يكون القائم عليه شخصاً عادلاً ونزيههاً، بغض النظر عن الانتماء الذي يمثله أو الشعار الذي يسوقه بين المواطنين.
[email protected]