رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محافظ تحت خط القهر!

عـادل صبـرى

السبت, 29 سبتمبر 2012 22:22
بقلم: عادل صبري

منذ عامين رأيته مقهوراً، بعد أن قدم خدمات جليلة للنظام السابق. فعندما اندلعت النيران في مبني مجلسي الشعب والشوري هرع إلي البرلمان من تلقاء نفسه، لتقديم العون للقوات المشاركة في الإطفاء. بعد ساعات من الحريق المروع كانت ألسنة اللهب تزداد ارتفاعاً متحدية الطائرات العسكرية

وعربات الإطفاء التي وجهتها إدارة الدفاع المدني بالقوات المسلحة والشرطة إلي المكان. فالحريق الهائل الذي شب ولم نعرف حتي الآن فاعله، امتد إلي الأخشاب العتيقة داخل الجدران الأثرية، وكأنه يصر علي إزالة مبني كان الخراب الحقيقي يعشش بين جدرانه. رأيت الدكتور علي عبدالرحمن رئيس جامعة القاهرة الأسبق، بين القادة الذين هرعوا للبرلمان، وعلي رأسهم الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وصفوت الشريف رئيس مجلس الشوري. وبينما كان الجميع يتحصن في المبني المسلح، الذي يسمي بمبني المجمع في مجلس الشعب، كان الدكتور علي عبدالرحمن يتفحص المباني، يغوص في مياه الإطفاء، وعوادم الحريق، وكأنه عامل إنقاذ.
بعد أسبوع هدأت النيران، وبدأت قافلة العمل في محاولة يائسة لإعادة البرلمان المحترق إلي أصله. كان الدكتور علي عبدالرحمن المستشار الفني للمشروع، علي رأس العاملين في الموقع، رأيته مراراً ينسي أنه يرتدي ثياب الأستاذ الجامعي، ويدخل بين العمال والمهندسين ليتفقد العمل الذي استمر عدة أشهر ليل نهار، حتي يجهز البرلمان للدورة البرلمانية لعام 2008/2009. انتهت المهمة بعد نصف عام من العمل الشاق، وكانت مصر مقبلة علي انتخابات لمجلس الشوري، وتواري الدكتور علي عبدالرحمن عن الأنظار فجأة. اتصلت به مراراً كي أسأله عن تطورات قضية حريق البرلمان، فلم يرد. ذات يوم توجهت إلي مكتبه المتواضع، للتحاور معه في هذا الشأن، فوجدته في غاية الضيق والهم. علمت من الرجل أن جهوده التي بذلها في ترميم البرلمان ذهبت سدي، لأنه أراد أن يتم العمل علي أسس أثرية، بينما كان القائمون عليه يطلبون إنهاء

سرعة العمل بالمحافظة علي الشكل، أما الجانب الأثري، فلن يتوقفوا عنده كثيراً، فالمهم عندهم أن يكون المبني جاهزاً لاستقبال الرئيس السابق، عند افتتاح الدورة البرلمانية في نوفمبر أي بعد الحريق بأربعة أشهر فقط.
علمت من الحوار المطول أن الرجل الذي مارس عمله الطوعي بلا كلل، تعرض لقهر فادح. فقد ظن أن مشاركته في إنقاذ البرلمان وعمله بلا أجر سيضعه في نهاية الأمر في قائمة الأشخاص المكرمين، ففوجئ باستبعاده من حضور كافة المناسبات الرسمية بعد أن لاحظ من حوله اهتمام الرئيس السابق بشرحه وكلامه في افتتاحه المرحلة الأولي من تجديد البرلمان. خشي بعض المحيطين به أن يضع الرئيس عينه علي الدكتور علي عبدالرحمن، فيعينه في منصب رفيع داخل البرلمان أو في الدولة. بعد أيام وجد الرجل نفسه في قائمة المنبوذين، وعينوا في عضوية مجلس الشوري بعض طلابه، وأناس لم يقدموا للبلد ما يضعهم في قائمة النواب أو المكرمين. شعر الدكتور علي عبدالرحمن بغصة شديدة، جعلته ينزوي عن الناس، بعد أن أيقن أن «آخر خدمة الغز علقة». حاولت التخفيف عنه، وجعل بعض قيادات البرلمان يتصلون به لمواساته، وعلي رأسهم المستشار فرج الدري وكيل مجلس الشوري، دون جدوي.
ظللت علي اتصال بالدكتور علي عبدالرحمن بعد هذه الأحداث، لأهنئه علي عدم مشاركته النظام السابق، في الفساد الذي يرتكبه. وكنت علي ثقة أن النظام بوضعه الذي كنا نراه، سيتعرض لكارثة كبيرة، قبل أن تنتهي سنة 2010. انتهت حالة الغضب التي انتابت الرجل تدريجياً، وبعد الثورة التقينا عدة مرات، فذكرته بالتهنئة التي سبق أن زففتها إليه من
قبل. حمد الرجل الله علي ما أصبح فيه من نعمة، ببعده عن النظام السابق في لحظات حاسمة، وظل يعمل في مكتبه الخاص، بعيداً عن السياسة والعمل العام، حتي رأيته لمرة واحدة في واجب عزاء بعد توليه منصب محافظ الجيزة.
دارت الأيام وأصبح الرجل المقهور مسئولاً رسمياً خلال عدة وزارات مختلفة مثلت تيارات ميدان التحرير وحزب «الحرية والعدالة». من متابعتي لعمل الرجل وجدته متحمساً للعطاء، بلا حدود، ومقابلة المواطنين في أي وقت وحين. عادت إليه الحيوية والرغبة في خدمة الناس، بعد أن شعر أن وجوده في منصبه مهمة تشرفه في لحظات حاسمة. أبديت دهشتي عندما رأيت صوره الأسبوع الماضي تتصدر الصحف، وهو ينظم مسيرات الغاضبين أمام السفارة الفرنسية، ويطلب أن تتم المظاهرات بصورة سلمية وحضارية. رغم ضعف الإمكانات وقلة الموارد التي تمكن الدكتور علي عبدالرحمن وغيره من المحافظين من العمل بكفاءة، وأيضاً حالة الفوضي العارمة التي يريد أن يعيش البلد في ظلها، لاحظت أن الرجل لا يتذمر، بل جعل من مكتبه بيتاً ومقاماً. الآن يتعرض المحافظ لقهر من نوع جديد، فحاجته للرجال حوله أشد من المال الذي يتلاشي من خزائن الدولة. فكل مسئول أصبح يلقي بالتبعات علي غيره، وتظهر الدولة أمام الناس في غاية الضعف والانهيار، ولم يحن الوقت بعد أن تقام دولة القانون، حيث الضرب من حديد علي أيدي العابثين بمقدرات الشعب والرافضين تأدية ما عليهم من التزامات.
بالأمس تعرض الرجل لقهر من النظام، واليوم يشعر بقهر أشد قسوة من الناس التي تستغل حالة الثورة في إحداث فوضي وسرقة للمال العام. فإذا كان القهر الخاص قد أتعبه عدة أشهر، فقد خرج منه معافي، بعد أن مر بامتحان عصيب. أما القهر الذي يمر به الآن فلن يكون هو الخاسر منه بمفرده، لأن المشاكل التي يشعر بها، تخصنا جميعاً. فمن منا لا يشكو من كثرة القمامة في الشوارع، وندرة المياه في الصنابير، وكثرة انقطاع التيار الكهربائي، وزحام المواصلات، وكلها أمور لم تعد في يد المحافظ بمفرده. ربما أصابنا بعض القهر وأكثر من الذي تعرض له الدكتور علي عبدالرحمن، ولكن ذلك لا يعني أن نعين الظالمين علي قهر الآخرين. علي العاقل منا أن يتوجه بعمله لوجه الله، فلا يستهدف به غيره، فإن صلح فله وإن فشل فما عليه إلا شرف المحاولة.
[email protected]