رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

انقلاب في زيارة مرسي للصين

عـادل صبـرى

السبت, 01 سبتمبر 2012 23:57
بقلم: عادل صبري

حدث ما توقعناه خلال الأسبوع الماضي، قبل زيارة الرئيس مرسي للصين، عندما قلنا إن تلك الرحلة ستكون فارقة في العلاقات المصرية الدولية. اطلق بعض المحللين على الزيارة بأنها «انقلاب» وآخرون يرون أنها عبرت رغبة مصر في الخروج من قبضة الغرب خاصة واشنطن، بينما ترى فئة أن الزيارة تعكس طبيعة الجماعة التي أتى منها الدكتور محمد مرسي، باعتبارها جماعة برجماتية ترغب في تنمية العلاقات الاقتصادية مع دولة، ليس بها حكم ديمقراطي ولا يهمها الانتقادات التي تثار ضدها حول قضايا حقوق الإنسان.

ترى الفئة الأولى أن الانقلاب الذي أحدثه مرسي يرجع إلى الصفقات الأمنية التي وضعت خطوطها العريضة بين مصر والصين والتي ستمكن القوات المسلحة المصرية، من الهروب من القبضة الأمريكية، التي خنقنا بها النظام السابق، وجعل التسليح المصري كله من واشنطن بما صب في صالح الأمريكان، على حساب قيمة وقدرات جنودنا ووضع مصر الاستراتيجي. أما الفئة الثانية وترى أن مصر الثورة، أكدت في تلك الزيارة وما تبعها من خطاب للرئيس مرسي أمام مؤتمر دول عدم الانحياز، أنها عادت إلى الساحة الدولية بقوة، كي تستعيد دورها في قيادة العالم، عبر مجموعة من الدول المتوسطة والفقيرة، ولكنها تشكل في مجموعها قوة لا يستهان بها، وتستطيع أن توقف الطغيان الذي تمارسه الدول الكبرى على العالم الثالث، خاصة بعد تسبب تلك القوى الغاشمة في حروب في الدول العربية والإسلامية، وأدخلت الاقتصاد العالمي في نفق مظلم، ولا تعرف لنهايته سبيلا. أما الفئة الثالثة وهي المجموعة التي تضع عصابة سوداء على عيونها، وتتعامل مع الرئيس مرسي على أنه فرد في جماعة الإخوان المسلمين، فقد أعماها الانفعال عن رؤية أي أعمال ايجابية في تلك الزيارة، بداية من أن وكيل وزارة الخارجية الصينية هو الذي استقبل مرسي في مطار بكين، ونهاية بمسائل حقوق الانسان، التي تضعها الولايات المتحدة دوما على طاولة المفاوضات مع الصين ليس حبا في

أهلها، ولكن رغبة في كسر شوكتها في إدارة الاقتصاد والقرار الدوليين.
مع اختلاف هذه الرؤى إلا أن الانقلاب الحقيقي الذي نراه ليس في القيمة الاقتصادية للزيارة التى أتمت صفقات تبلغ نحو 6 مليارات دولار دفعة واحدة، ولا المنح التي حصلت عليها الحكومة، لتطوير الصناعات المختلفة، بل في شغف المصريين بالمشاركة والحضور والرأي والمتابعة لتلك الزيارة. فهذه تعد المرة الأولي التي يهتم فيها الناس بزيارة رئيس الجمهورية للخارج منذ سنوات طويلة، أعادت إلينا ذكريات توجه جمال عبد الناصر إلى مؤتمر «باندونغ» في أندونيسيا», والسادات عندما زار القدس، وواشنطن، في بداية حديثه عن معاهدة السلام. وبغض النظر عن موقف الناس من تلك الزيارات إلا أنها كانت تتابع بشكل واسع في أجهزة الإعلام، من قبل الخاصة والبسطاء من المواطنين، وهو ما شهدناه في زيارة مرسي للصين وما بعدها لإيران. ورغم البون الواسع في متابعة الإعلام لتلك الزيارات، حيث كان الإعلام أحادي الرؤية، في عهد عبد الناصر وحكومي التوجه في عصر السادات، إلا ما بثته قنوات الدول العربية والإذاعات الموجهة ضده، فإن زيارة مرسي جاءت وسط زخم إعلامي أكثره معارض له، وبعضه يؤيده، ومنه ما ينتظر لحظة الفشل ليكيل له الأذى بالطن قبل القنطار.
الانقلاب الأكثر أهمية أن عددا كثيرا من المصريين، في تعليقاتهم ورسائلهم على البريد الخاص، من المقيمين في الصين، طلبوا مقابلة الرئيس للتعبير عن فرحتهم بتلك الزيارة. ومنهم من عرض مشاركته في تنفيذ خطط وطنية تستهدف نقل التجربة الصينية في إدارة الاقتصاد من المرحلة المنغلقة والتوجه الاشتراكي إلى المستوى الذي بلغته الصين في عهد التحرر الإداري، دون أن تفقد الدولة قدرتها على
حماية المال العام والطبقات الفقيرة. وقدم القراء ملخصات لمشروعاتهم الناجحة مطالبين بأن أنقلها للمسئولين في رئاسة الجمهورية والحكومة، لعلهم يساعدون بلدهم ومن بين هؤلاء، الدكتور مدحت الرافعى الذي يمتلك مشروعا تقنيا صغيرا يمكن تنفيذه في مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، لمنع ظاهرة «السحابة السوداء» حيث يبدأ المزارعون في حرق قش الأرز، بينما يمكن تحويله لمنتجات وقود عالية الجودة والثمن بسهولة. طلبات المواطنين أعتبرها قمة الانقلابات في زيارة رئيس الدولة للدول الأجنبية، حيث اعتدنا في السنوات الأخيرة أن تنظم المظاهرات ضد الرئيس السابق من المصريين في الخارج، مما اضطر أجهزته إلى صناعة كيانات وهمية، تحصل على دعم مالي وأمني مقابل الوقوف في وجه المعارضة، أو حمل لافتات ترحب به في الدولة المضيفة، لبضع دقائق.
هناك حالة جديدة في نظرة المصريين إلى رئيسهم المنتخب، فرغم اختلاف الكثيرين معه إلا أنهم أثنوا على تلك الزيارة التي قام بها للصين.ومع معارضة فئة لإيران إلا أن رؤيتهم لتلك الزيارة وكلماته أمام دول عدم الانحياز، أعجبتهم، لأنه وضع الأمور في نصابها، ورفع مبدأ «البرجماتية» في العلاقات الدولية، بما يجلب المصلحة لشعب مصر أولا، ثم بعد ذلك ننظر إلى باقي الشعوب، حسب رباطنا بهم وقوة علاقتهم بنا ورغبتهم في تحمل تبعات مشاكل مصر ما بعد الثورة. فلن تكون مصر بعد اليوم مطية لأحد، ولا غارمة لحروب أحد، ولن تجرجر لحرب يفرضها طرف آخر، ولا ساكتة على إهانة من أي طرف. لقد غيرت الثورة مصر للأبد، فلن يسكت الشعب على رئيس يمتهن كرامته، ولا نظام، يتعاون مع دولة أخرى على حساب مصلحته، فالعروبة لا تعني أن تصبح دول نكاد نراها بالعين المجردة على الخريطة، وتضم فلول الهاربين بأموال مصر، هي المتحكمة في لقمة عيش أهلها، ولن نسمح لدولة كبرى أن تكبل قيود جيشنا العظيم.فمصلحتنا اليوم أن نبدأ مع الصين مشروعا اقتصاديا للنهضة تستفد منه ونفيد به أهلنا، فإذا ما تغيرت عوامل المصلحة بين الشعبين يمكن أن نغير قواعدها، أو نتفق على أن يكون مبدأ يعلمه الصينيون جيدا: «احتفاؤنا بأصدقائنا الجدد لا يعني أننا ننسى أصدقاءنا القدامي» وأيضا يقولون «ليس من الحكمة أن يكون عدو صديقي هو أيضا عدوي» لأن الصداقة في العلاقات الدولية لا تدوم أبدا، والعداوة أيضا لا تدوم، فمصلحة الشعب أهم وأبقى. فعلينا ألا ننجرف وراء شعارات رنانة، خسرنا فيها عربا ومسلمين وغيرهم، لتظل مصر فوق الجميع.
[email protected]