رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شهادتي في إقالة مدير المخابرات

عـادل صبـرى

الجمعة, 10 أغسطس 2012 22:59
بقلم: عادل صبري

عندما أصدر الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية قرارا بإقالة  اللواء مراد موافي مدير المخابرات العامة، وجدت أن موقف الناس منه يتأرجح بين الفرح والشماتة، وقليل من الغضب. الفرحون يعتقدون أن إقالة مدير المخابرات خطوة أولى في الحرب الخفية بين كتلة الرئيس وأجهزة الدولة العميقة، وخاصة أجهزة الأمن والمخابرات بصفة خاصة المتهمة من قبل قيادات بالأخوان بإثارة الفوضي ودعم عكاشة وقيادات الثورة المضادة.

والشامتون يعتبرون أن المخابرات المصرية، تعرضت كغيرها من مؤسسات الدولة للفساد الذي طفح كيله في عصر مبارك، ويعتقدون أن سقوط موافي بداية لسقوط دولة المخابرات التي قادها اللواء الراحل عمر سليمان. أما القلة الغاضبة فهي تنتمي في الأغلب إلى جماعة قدامي العسكريين والمفكريين الاستراتيجيين الذين يعتبرون إقالة مدير المخابرات بهذه الطريقة بمثابة اهانة لجهاز قومي عريق، يعد الأفضل من نوعه في العالم، ويقوم بدوره في صمت ولا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه، مع هذا الكم الهائل من الفوضى التي تمر بها الدولة بأثرها.
وسط هذه التناقضات في المواقف والرؤي، عايشت ـ قدراـ اللحظات الأخيرة لقصة اقالة اللواء مراد موافي، ورأيت أن أقولها كما وقعت وأطرافها الآن حاضرون من الزملاء في بوابة الوفد، والجريدة، وأيضا كل من سأذكرهم في الشهادة، لعلها تكون سندا تاريخيا عندما يتكلم الخاصة والعامة عن هذه القضية. لا أقصد من شهادتي هذه تبرئة أحد، أو الدفاع عن مسئول أو ادعاء بطولة ـ لاسمح الله ـ بل بصفتى الصحفية أضع الحقائق أمام الجميع، وهم أحرار فيما يفهمون ويحكمون. بدأت القصة المثيرة بخبر بثته وكالة أنباء الأناضول قبيل آذان المغرب يوم الثلاثاء الماضي، 7 أغسطس 2012، ينقل تصريحات للواء موافي يعلن فيه أن بأن جهاز المخابرات كانت لديه معلومات حول الحادث الإرهابى الذى وقع بسيناء مساء الأحد الماضى. عندما أطلعني الزملاء في " بوابة الوفد" على الخبر، طلبت نشره فورا. بمجرد وضع الخبر على " بوابة الوفد" وقد أوشك المغرب على الآذان، شاهده نحو 30 ألف قارئ في لحظات، ونشروه على عدة مواقع اخبارية أخرى. أثناء تناول الأفطار مع الزملاء، توقعت أن يحدث الخبر أزمة كبرى. فالتصريح الذي أدلى به الرجل يعد الأول من نوعه، وقد زيله بجملة لا ينطق به رجل يعمل

في الأمن فما بالنا إذا كان رئيسا لأفضل أجهز المخابرات في المنطقة والعالم، ألا وهي " لم نكن تصور أن يقتل المسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار في رمضان".
الكلمات الطيبة التي نطق بها مدير المخابرات، تنم عن نوايا أطيب، يجب أن تتوافر في الإنسان العادي أو أحد مشايخ الطرق الصوفية، أما أن يقولها مدير مخابرات يعرف أن المنطقة التي يتحدث عنها تحوي تجار بشر و سلاح وجواسيس وجماعات تكفيرية، ومرتزقة، فكانت عجيبة الشكل والمضمون. وقبل أن ننتهي من وجبة الإفطار وجدت هاتفي يرن عدة مرات، من أرقام مجهولة، فعرفت أن أزمة الخبر قد بدأت بالفعل، فطلبت من زملائي أن يتوقفوا عن الطعام، ويأتوني بأصل الخبر حتى أراجعه مرة أخرى. وأجرينا اتصالا بأحد الزملاء في وكالة أنباء الأناضول للتأكد منهم بأن الخبر الذي بثوه صحيح مائة في المائة. فعلمي أن الوكالة التركية الأصل وثيقة الصلة بالحزب الحاكم في تركيا والدكتور رجب الطيب أردوغان، ويدير مكتبها بالقاهرة والشرق الأوسط زملاء أفاضل مختارين "على الفرازة"، وقد حصلنا منها على سبق من قبل، يؤكد فوز الرئيس محمد مرسي بالرئاسة، ونشرناه قبل الإعلان الرسمي للنتيجة بساعات. في نهاية المطاف رددت على الهاتف فإذا به أحد كبار المسئولين الأمنيين في مؤسسة الرئاسة، يطلب وقف نشر الخبر لأنه غير صحيح. رددت عليه ببساطة، بأن الخبر على لسان وكالة محترمة، وأن الزميل الذي حصل عليه سجل التصريح رسميا أثناء مرور اللواء موافي في الردهة المؤدية من مكتب الرئيس بقصر الاتحادية بمصر الجديدة، إلى قاعة الصحفيين في نهاية الردهة. وقلت له: يمكنني حظر الخبر إذا كنتم متأكدين أن اللقاء لم يحدث مطلقا، و من حقكم نشر الرد على ذلك، ولكن إذا كانت الواقعة قد حدثت فالناس الآن اطلعت على الخبر من "بوابة الوفد" ونشر في أنحاء الدنيا، واخفائه بهذه الصورة لن يكون حلا  مهنيا ولا سليما، وعليكم أن تحلوا المشكلة بتعقل
وسرعة.
بعد لحظات ، وجدنا الرد آتيا في برقية رسمية يعلن فيه مدير المخابرات العامة، أن جهاز المخابرات جهة جمع معلومات فقط، ولا توجد لدى الجهاز مهام تنفيذية مشيرا إلى أنه أرسل المعلومات التى لديه بخصوص الحادث الإرهابى الذى وقع فى سيناء إلى صناع القرار والجهات المسئولة، وبهذا ينتهي دور الجهاز. جاء الرد بسيطا وكاشفا لحالة من الفوضي داخل مؤسسات صناعة القرار في الدولة. فحد علمي وخبرتي في العمل كمراسل في رئاسة الجمهورية من قبل، أن مدير المخابرات عندما يدخل القصر الجمهوري، لا يتكلم مع أحد على الاطلاق. وكنا ننظر إلى مدير المخابرات الراحل اللواء عمر سليمان مثل أحد آلهة الإغريق، ولا نقدر على الاقتراب منه. وحسب معلوماتي فإن المخابرات العامة تقدم تقاريرها إلى مكتب الرئيس مباشرة، ومنه تتحول إلى وزارة الدفاع والخارجية والبرلمان الحرس الجمهوري وأمن الدولة وأي جهة أخرى يحددها الرئيس. فإذا كان مدير المخابرات يعلم بالهجوم الإرهابي فإن تلك الجهات علمت بالفعل طبيعة هذا الهجوم وتوقيته المتوقع.
تحدثت مع الزميل محسن سليم مراسلنا في الرئاسة، عن أسباب تخلفه في الحصول على انفراد وكالة الاناضول، فأخطرني بأنه شاهد مراسلها يتكلم مع اللواء مراد موافي، بينما هو وزملاؤه تسابقوا إلى قاعة المركز الصحفي، فلم يهتموا بالحوار الذي اعتقدوا أنه وديا. وطلبت من الزميل محمود فايد أن يتصل بمستشار الرئيس مرسي، فكانت المفاجأة بقوله أن معلومات المخابرات لم تصل مكتب الرئيس ولم يخطر بها!. هنا ثارت الشكوك فهل فعلا علمت المخابرات ولم تبلغ؟!. ربما يستسهل البعض الحكم بقوله إن المخابرات تحيك للرئيس مؤامرات كثيرة فلما نستبعد أن تكون هذه مؤامرة أخرى؟!. هنا فقط أستطيع التدخل وأوكد أنه رغم غضبي الشديد على إدارة هذا الجهاز العريق، وسوء فعل البعض منهم في الفترة الأخيرة، إلا أن الواقع يبدو مختلفا. فمن معلوماتي وزياراتي المتعددة للمنطقة الملتهبة في رفح وكان أفضلها ما نظمته لجنة الصناعة وأعضاء اللجان النوعية بمجلس الشورى عام 2010، برئاسة المهندس محمد فريد خميس، تيقنا أن المسئول عن إدارة الملف الأمني في هذه المنطقة هي المخابرات العسكرية. وعلمنا من شيوخ القبائل في سيناء أن ضباط أمن الدولة وإدارة نظام حبيب العادلي وراء العلاقة المنهارة بين الدولة وأهالي سيناء جميعا، وأن المخابرات العسكرية أصبحت مسئولة عن إدارة  هذا الملف بالكامل، وتحولت المخابرات وأمن الدولة وغيرها إلى مكاتب صغيرة مساعدة.  ويفضل أهالى المنطقة التعامل مع القوات المسلحة في كل شئ عن باقي أجهزة الأمن والدولة.
إذن نحن أمام موقف مفترض أن يكون المجلس العسكري هو المسئول عنه بالكامل، بينما راح ضحيته كبش فداء واحد ، ومحافظ لا علاقة له بالموضوع،وقيادات أمنية بعيدة عن القضية. نخشى أن يشعر المطعون في نزاهتهم بالغدر والضغينة وأن المقصر الحقيقي لا يستطيع أحد الاقتراب منه، فتزيد الفوضي أنحاء البلاد.
[email protected]