رؤوس الأفاعي

عـادل صبـرى

الأحد, 13 مارس 2011 08:20
بقلم: عادل صبري


لا ينتظر أحد عودة الهدوء إلى الشارع المصري بالسرعة التي نحتاجها جميعا. فالشارع الذي انتفض غضبا ضد الفساد والاستبداد حركه شباب خرج في مظاهرات سلمية، واجهها نظام بائد بكل قسوة وعنف. عكست تصرفات المتظاهرين السلمية حالتها على كل شاب وشيخ وفتاة، فمجرد أن احتشدنا في ميدان التحرير عشاء جمعة الغضب 28 يناير، لم يكن لنا هدف سوى التواجد في الميدان للتعبير عن انتصار ارادتنا ضد الظلم والطغيان. كانت فرحة الجميع غامرة حينما علمنا أن الجيش نزل إلى ساحة التحرير والمناطق الثائرة في المحافظات، غمرتنا البهجة، وخرجت من صدورنا كلمة" الشعب والجيش أيد واحد" وكأن القدر ساق الكلمة على ألسنتنا جميعا.

بعد انتهائنا من صلاة المغرب والعشاء أمام المتحف المصري، استدعى بعض الشباب قوة من الجيش لتطويق المتحف خشية أن تمتد اليه ألسنة اللهب التي اندلعت في مقر الحزب الوطني الملاصق له. ولم نشهد خلال تلك الليلة أية محاولات للتسلل إلى المتحف كما يدعى البعض، ممن يبررون سرقة بعض محتوياته الآن، بعد أن نفوا ذلك عشية جمعة الغضب. عقب الصلاة دخلت قوافل عربات الجيش إلى ميدان التحرير بعضها يحمل أفرادا وأخرى مدرعة توجهت مسرعة نحو مجلسي الشعب والشورى ومقر مجلس الوزراء والداخلية. وكلما دخلت قافلة هلل المتظاهرون تكبيرا وفرحا بها، ويعملون على فض الطريق كي تسرع لهدفها المنشود. فجأة صدر صوت بين المتظاهرين يخبرهم بأن الجيش سيطلق النار عليكم، وكما ظهر فجأة اختفى صاحبه بين الناس بسرعة البرق. حاولنا دفع من حولنا عن التوقف في وجه قوافل الجيش وعدم الاستماع لأهل الفتنة، ولكن البعض أصر على تفتيش السيارات المارة خوفا من أن تحمل أسلحة لضربهم. المدهش في الأمر أن قوات الجيش استجابت، وخلقت أجواء من الثقة مع الناس على وجه السرعة.

واصل المتظاهرون هتافاتهم وكلهم ثقة في أن الجيش يحيمهم من كل سوء، إلى أن جاءت سيارة أسعاف تابعة لوزارة الصحة وهي تشق طريق المتظاهرين قادمة من اتجاه ميدان عبد المنعم مراد إلى ميدان التحرير، وحاول كل منا شق الطريق أمامها للمرور على وجه السرعة، فإذ ببعض الشباب يكتشف أنها محملة بالأسلحة

ومتجهة إلى مقر وزارة الداخلية. وبعد لحظات جاءت أخرى، فإذ بالشباب يصر على معرفة ما بها، فيرفض قائدها بعناد، ويسرع بها ليدهس أحد زملائنا وعندما يعود للوراء يدهس آخر وفي مشهد مروع يمزق رجل طفل، ولم تفلح محاولات الشباب في وقفه، إلا لبرهة تمكنوا خلالها من تفريغ علبة ذخيرة حية عيارة 7،62 المستخدمة في الرشاشات الكلاشينكوف التي كان يطلقها علينا الأمن المركزي في جمعة الغضب. استحوذ الشباب على الذخيرة، التي مازال بعضهم يحتفظ بها كدليل على جريمة النظام البائد، بينما هرب قائد الاسعاف صوب مقر وزارة الداخلية، وقتل في طريقه من قتل كما فعل أمثاله الضباط على كوبري قصر النيل وفي شارع القصر العيني، والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء المسالمين.

في هذه اللحظة انهارت الثقة لبعض الوقت بين المتظاهرين والجيش، فانهال بعضهم بالعصي على عربات تابعة للحرس الجمهوري والشرطة العسكرية، وأحرقوا منها ثلاثة، ولم يتوقفوا إلا بعد أن حاولت العديد معنا تهدأتهم، وإعادتهم إلى صوابهم الذي أطاح به عملاء الشرطة. كانت صيحة الشعب والجيش أيد واحدة، تنطلق كالرعد في السماء، كلما لاحظ المتظاهرون بوادر وقيعة بين الطرفين، وأحدث الشعار الذي ألهمه الله للناس، مودة بين الجيش والمتظاهرين جعلت بعض الضباط في الأيام التالية ينضمون للمتظاهرين تعاطفا، في وقت علمنا أن الرئيس حسنى مبارك أصدر لقادة الجيش بدك المتظاهرين تحت الدبابات والمصفحات إذا أصروا على تواجدهم في ميدان التحرير.

لم تكن هذه المعلومات مؤكدة وإن أقسم البعض على وقوعها،3 مرات متتالية ولكن كنا نستشعرها، حتى كشف عنها الفريق سامي عنان رئيس الأركان مؤخرا، ليبين ما كنا نؤمن به وهو أن الجيش لم يفكر في لحظة أن يخون الشعب ويطلق رصاصة على المتظاهرين وإن خالف كلمة قائده الأعلي الذي رآه خان عهده والقسم الذي تعهد به عندما انتخبه الناس رئيسا للبلاد.

الوقيعة بين الشعب والجيش ظاهرة بدأت مع اللحظات الأولي للثورة، ولم يمنعها سوى قدر الله، الذي أراد لهذه الأمة أن تكون أداته في وأد زمرة الفاسدين من فوق أرضها الطيبة. ولولا ذلك لفعل مبارك فينا كما يفعل القذافي في الليبيين، حيث يطاردهم" من زنقة إلى زنقة" وأصر على قتالنا نفرا نفرا بعد أن يحولها على طريقة القذافي " حمرة جمرة".

نقول هذه المعلومات ليس لإثارة الناس على حاكم مخلوع وضعت بعض رموزه في السجون، ولكن لأن هذا النظام البائد مازالت حلقاته القوية تتحكم في البلاد، ولا تريد إلا سكب الزيت على النار وأشعال بذور الفتنة بين الجيش والشعب بشتى الطرق. فنحن نعلم جميعا أن النظام البائد لم ينته من الساحة، فرغم الاطاحة برأسه إلا أن ذيوله القادرة على استنساخ ألف رأس سامة، مثل الأفاعي والبورص، منتشرة في خرابات الحزب الوطني وأمن الدولة والمحليات ومقار العمد والمشايخ، وأجهزة الإعلام والجامعات. هذه الذيول ارتبطت، كما قلنا في مقالات سابقة في عز وجاه النظام، بحلقات عنقودية من الفولاذ لا تستطيع قوة أن تفرطها إلا فرادى أو الإلقاء بها في نار جهنم حيث تصبح زبر الحديد.

حلقات النظام البائد، لن تختف فجأة من الساحة بعد أن شكلتها أجهزته على عين منه على مدار 30 عاما مضت، وصنعت بأيد جهاز أمن الدولة الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة في البلاد إلا وتدخل فيها بكل عنف وفساد. هذه الحلقات مازالت تدير برامج إعلامية، تدعو الناس للهدوء والعمل، ونسيان الماضي، أملا في الهروب من المحاسبة، ويشرف على برامجها شخوص كانت لا تستضيف إلا رموز الوطني ومعارضيه من داخله، ولاتتورع اليوم أن تلق على المتظاهرين المسالمين باللائمة على إنتشار الفوضى أو عدم نزول ضباط الشرطة للشوارع، وغيره من الكوارث التي تمر بها البلاد. وهذه الحلقات هي التي تحمل السنج والأسلحة للانقضاض على الآمنين في الشوارع وترويع الناس في بيوتهم وأعمالهم، وتنشر رسائل التهديد والفزع عبر الانترنت والهواتف، تسعى من ورائها إلى بث الفتنة بين الناس واحداث هوة بين الشعب والجيش، إن لم تدفع الطرفين إلى التقاتل، فتبعد المسافات بينهما لعل وعسى تجد لنفسها جحرا تختبئ فيه، بعيدا عن الملاحقة من العدالة وسلطة القانون.

إنهم العدو فاحذروهم، فهؤلاء عاثوا في الأرض فسادا ولن نحيا بسلام دون القضاء عليهم جميعا، وكما طارت رموزهم يجب ألا نهدأ حتى نقطع رؤوسهم ونطارد ذيولهم، وإلا فلن يعود الهدوء إلى أمة ثارت على ظلم الظالمين.

وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)

[email protected]