الشرطة تريد اسقاط النظام

عـادل صبـرى

السبت, 05 مارس 2011 17:32
بقلم:عادل صبري

"احنا أسيادهم واللي يمد أيده علي سيده بالجزمة وها نقطع أيده" هذه كلمات اللواء مجدي أبو قمر مدير أمن البحيرة التي بدأ بها رحلة عودة الشرطة إلي العمل، بعد نكسة 28 يناير عندما اختفت قوات الشرطة من كل ركن في الدولة. كلام اللواء المخلوع من منصبه والذي يمارس مهام اللواءات الكبار في الداخلية حتي الآن، جاء مواكبا لمناشدة الشعب قادة الشرطة إلي العودة للعمل، فاعتبر سيادته ذلك استغاثة من الناس لأمثاله لأن الشعب بدونهم ولا حاجة، أو كما قال " بيعيطوا وخايفين ومرعوبين في بيوتهم". عكس كلام اللواء ثقيل الظل، الهوة الحقيقية بين عقلية هذه النوعية من الضباط وما يحدث في البلاد الآن. فاللواء الذي يريد العودة إلي منصبه ليمارس السيادة علي الناس بإذلالهم و ترويعهم وضربهم بالأحذية، نطق بالشهادة التي تدين النظام البوليسي الذي تربي عليه أمثاله. فالسيادة في مفهوم أبو قمرة علاماتها رفع العصا في وجه الشعب، وطول اللسان علي خلق الله، والتخفي وراء زي الشرطة لفعل ما يحلو له، جاهلا بما تسبب فيه أمثاله من فساد أدت إلي ثورة شعبية لم تشهد مثلها البلاد.

لقد وقف اللواء مطلقا دخان سيجارته في وجه الضباط والجنود العاملين تحت أمرته، وبدا كالديك المنفوش يهدد ويتوعد معتقدا أن الله الذي ستر عليه فساده في الماضي، لن يفضحه علي الملأ. فقد سجلت الكاميرات أقوال اللواء المنشورة علي شبكات الانترنت ليكون عبرة لأمثاله، في الوقت الذي كان النائب العام يتلقي بلاغات من مواطنين في محافظة البحيرة، تكشف عما ارتكبه من نهب لأراضي الدولة والمال العام. فالاتهام الموجه للواء المنفوخ سبق تقديمه للجهات المسئولة من قبل، ولم تحقق فيه، لأن الناس المتضررين كانوا يعيشون في كنفه وتحت رحمته. البلاغات تتهم اللواء مجدي أبو قمر بأنه حصل علي 48 فدانا من أراضي الدولة ومشروعات شباب الخريجين في منطقة مشروعات أراضي الشباب بمنطقة النوبارية، وكذلك مدير الأمن العام المخلوع مؤخرا مقابل تسهيلمها لشركة سعودية استولت علي مساحة من أراضي الدولة والشباب، بلغت 20 ألف فدان ، تبلغ قيمتها السوقية الآن نحو 7 مليارات جنيه.

الشعب ضد مجدي أبو قمرة وأمثاله لم يظهر اليوم، بل عرضناه من قبل في صحيفة "الوفد"

والقنوات الفضائية، منذ بدء العاملين في شركة النوبارية التي باعها رئيس الوزراء السابق عاطف عبيد للمستثمر السعودي عبد الإلاه الكحكي، بمبالغ زهيدة، حيث سمح عبيد واللواء أبو قمر بأن يتحول المستثمر من مالك مشكوك في صحة صفقته لنحو 1950 فداناً إلي 20 ألف فدان، تزرعها الدولة ومواطنون منذ 30 عاما بالبلطجة . لقد اعتاد مدير الأمن إياه أن يضرب الناس بالجزمة ويقبض عليهم كلما ذهبوا إليه لتقديم شكوي ضد من اغتصب أرضهم، ليس رغبة في المحافظة علي الأمن بل لأنه حول امكانات الشرطة إلي جهاز للبلطجة ضد الشعب  الذي يدفع له الراتب الشهري ويؤمن له السيادة والوجاهة والقرب من السلطان.

عاد لواء أبو قمر وفي ظنه أن خوف الناس من حالة الانفلات الأمني ستدفعهم إلي تحمل الضرب بالأحذية من جديد، لهذا أعلن علي الملأ " لم يحاسبني أحد، ولن يعاقب أي ضابط علي ما ارتكبه ـ في مجازر ضد المتظاهرين ـ لأن اللي ها يتكلم واللي ها يقول عن حسابنا ها نقعد في البيت أحسن". هكذا بكل قوة يعلنها مدير الأمن ويسجل رأيه بكل بجاحة، "أنه فوق المحاسبة"، هو وغيره من اللواءات والضباط. ونسي هذا الضابط علي وجه التحديد الذي لم أسمع عنه إلا عبر الانترنت وأوراق الاتهام في مكتب النائب العام، أن كثيرا من الأفلام الموضوعة علي شبكة الانترنت واليوتيوب، تكشف دوره وما فعله ضباطه وجنوده من تصرفات بدأت بحرقهم لمديرية أمن دمنهور، ومكتب مباحث أمن الدولة واطلاقهم المساجين من سجن دمنهور. لم تترك هذه الوثائق بالصوت والصورة مجالا للشك في أن هناك مؤامرة شاملة قادها رأس النظام المخلوع ووزير داخليته ونفذها مدراء الأمن وقادة القوات الأمنية، في وقت متزامن بكافة المحافظات لاحداث الفراغ الأمني وإطلاق المساجين ويد البلطجة تعيث فسادا في الدولة بأسرها، بعد أن أيقن النظام أن قتل مئات الشباب بالرصاص الحي ودهسهم تحت عجلات عربات الشرطة،

لم يمنعهم من التظاهر والمطالبة بالحرية ومحاربة الفساد.

لم يتوقف اللواء أبو قمر ولو لبرهة أمام هبة الشعب في الميادين، وقدرته علي تغيير نظام مستبد، لأنه تربي في ظل نظام أعمي لم يلحظ أن الناس تكتوي بنار الغلاء والبطالة والتزوير، بينما رجال الحكم تتكدس أموالهم من سرقة مال الشعب ليل نهار، واكتفت أجهزة الأمن بمشاركة الفاسدين في غنائمهم. وبدلا من أن تصبح الشرطة يد القانون الذي يخدم الشعب تحولت إلي سوط ضد من يعارض الظلم والطغيان. فلم يكن غريبا أن يصل أمثال أبو قمر إلي المراكز القيادية في الشرطة، لأن مؤهلاتهم في الفساد ظاهرة للعيان، بينما الضباط المحترمين لا يقدرون علي تحمل أعباء معيشتهم بدون مساعدة أهلهم، وينقلون إلي أماكن هامشية، وفي غالب الأمر يكون المعاش المبكر لهم خير وسيلة لحفظ ماء الوجه والحقوق.

لم يفهم لواء ضرب الجزم، أن خوف الشعب من حالة الانفلات الأمني ليست دعوة لأمثاله بسن لسانه ويده قبل مواجهته المواطنين، بل لأن الشعب المسالم يريد أن يحفظ للشرطة مكانتها بين المجتمع. فالمصريون لم ترهبهم طلقات النار التي أتقنتها الشرطة في صدور ورؤوس المتظاهرين، وأصبح كل رجل وشاب بل وطفل ضابطا للأمن في الشوارع لعدة أيام، ويمكنهم أن يظلوا كذلك لأسابيع، ويعلمون الآن وسائل العيش بدون الشرطة المختفية من الشوارع، بينما يحرك بعضهم البلطجية لخلق حالة من الفوضي وبث الرعب في نفوس الآمنين.

عودة الشرطة لن تكون بقرار سيادي أو استجداء من الحكومة للشعب، بل لأن الشعب يؤمن بدورها، وأن هناك من الضباط المحترمين الذين لم يشاركوا في الفساد وحاولوا وقف الظلم عن الناس علي قدر جهدهم. لن تعود الشرطة لأن المجتمع خائف ومطلوب منه أن يظل خائفا حتي يستكين ويسلم للضباط أعناقه من جديد، فيضرب علي القفا ويسجن ويذل دون شكوي أو أنين، ولكن لأن الشعب هو السيد وأن الشرطة أداة لتنفيذ القوانين التي يقرها المجتمع، فهي خادمة للشعب الذي يتحمل أعباء رواتب الضباط والجنود وكافة العاملين بالدولة. الناس تريد أن تطمئن إلي أن الشرطة ليس منوطاً بها التجسس علي حياتهم الخاصة، وكتابة التقارير التي تحول دون الحاق أبنائهم بالمدن الجامعية والوظائف، والسفر والترقي وتقلد المناصب في الجامعات والمصانع والعمل السياسي، بل والظهور في أجهزة الإعلام.

لقد جني كثير من ضباط الشرطة علي أنفسهم ومهنتهم بتحولهم إلي أداة السلطة للبطش والعدوان، ونسوا أن كل سلطان زائل، بينما الشعب هو السيد والباقي. فليس مطلوب أن يعود الشعب للشرطة بل يجب أن تعلن الشرطة أنها حقا في خدمة الشعب، لأنها خرجت من قلبه مع نظام جائر ولن تعود إليه إلا بعد أن يتأكد الناس بانقلابها علي هذا النظام، لنقيم معا دولة العدل والمساواة والقانون، ومن يرفض ذلك فعليه أن يخلع الرتبة والرداء الذي يتحمل تكاليفه شعب مقهور.

[email protected]