رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شهوة الاستحواذ على الدستور والرئاسة

عـادل صبـرى

الجمعة, 06 أبريل 2012 23:31
بقلم: عادل صبرى

شهدت اللقاءات الأولي للجنة التأسيسية للدستور اجتماعات باهتة، في وقت حاول فيه نواب جماعة الإخوان المسلمين، عدم الاكتراث، بحالة الانسحاب الجماعي من عضوية اللجنة من أغلب التيارات السياسية الأخرى. رسالة نواب الإخوان التي رأيناها على وجوههم وفي كلماتهم تظهر ألسنتهم للكافة، بأن يموتوا بغظيهم لأن الدستور القادم سيولد لا محالة على أيديهم. وجاءت معركة الرئاسة المستعرة، وأضافت جماعة الإخوان المسلمين لتسكب على النار بنزينا بطرحها للمهندس خيرت الشاطر رئيسا للبلاد.

جاء التفاف جماعة الأخوان المسلمين عبر تيارها السياسي المتمثل في حزب الحرية والعدالة على تشكيل اللجنة التأسيسة، بمحاولته التفاوض السري مع بعض رموز الأحزاب والقوى السياسية بمثابة تراجع طفيف عن موقفهم المتعنت من تشكيل اللجنة برمتها. هذا الالتفاف السياسي، يعده البعض تراجعا عن الموقف المتشدد الذي تمسكت به الجماعة طوال الأسبوعين الماضيين، ولكنه لم يسفر عن نتيجة جادة حتى الآن، رغم ضيق المدة الزمنية اللازمة لكتابة دستور الثورة. ومن غير المؤكد حتى الآن أن تعود كافة الرموز التي خرجت من اللجنة بعد رفض الأزهر والأحزاب والكنيسة الدخول فيها بتشكيلها الحالي الذي فرضه نواب الأغلبية من النواب المنتمين لجماعة الإخوان.
كان أولى بجماعة الإخوان المسلمين التي نكن لها كل احترام، بسبب قدرتها التنظيمية الفائقة في الشارع السياسي ، وهو الأمر الذي مكنها من الحصول على أغلبية في البرلمان، أن تتصرف مع الآخرين بمنطق الساسة الكبار. ونعتقد أن شهوة الهيمنة التي ظهرت عليها فجأة بعد حصولها على الأغلبية لم تكن وليد الصدفة, وإنما  كانت رغبة مكبوتة لديها منذ دخولها العمل السياسي وهو الأمر الذي خلق حالة عداء بينها وبين كافة التيارات السياسية الأخرى التي تحالفت معها من قبل، وتحولت بفعل هذه الشهوة الباطنة إلى عداوة ظاهرة بلغت حد تبادل القتل وحلقات الإعدام. ومن طبيعة أصحاب الشهوات أن يطلقوا العنان لنوازعهم عندما تقع أيديهم  وأبصارهم على مثيرات الشهوة. وظهر ذلك جليا عندما رأوا أن حصولهم على أغلبية برلمانية يمكنهم من ابعاد كافة التيارات التي يرونها مزعجة أو خارجة عن نهجهم من المشاركة في صناعة دستور المستقبل، بما يجعلنا نخشى على أنفسنا، لأنهم يتخيلون أن المستقبل في

البلاد سيكون فقط لهم أو من يحددونه في مسارهم. نسى هؤلاء المنظمون أن الشعب الذي أتى بهم اليوم كأغلبية برلمانية، كان خارجا على نظام فاسد، استبد بالناس وأقصى شريفهم  وكبيرهم عن المشاركة في صناعة المستقبل، ففقد الحاضر وانتهى إلى الأبد. هذا الاقصاء الذي جعله يفقد أهل الحكمة والخبرة الذين لو استمع إليهم ورأيهم المخالف لما حدث له ما حدث.
قد يغضب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من هذه المقارنة التي تبدو ظالمة في التشبيه، ولكن هؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا يكررون مقولة الدكتور كمال أبو المجد الشهيرة" السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". وكان أكثر من يستشهد بها صديقي النائب حسين إبراهيم ممثل الأغلبية البرلمانية في مجلس الشعب، والآن نسى وأخوانه هذه الجملة في وقت عصيب. كنا ننتظر من جماعة الأخوان المسلمين أن تتصرف عند تشكيل اللجنة التأسيسة بمزيد من الذكاء ولو تطلب الأمر الكثير من الدهاء السياسي. فليس بخاف على أحد أن  حالة المزاج الديني عند المواطنين مرتفعة بعد أن اختلط  الشعور بالتدين بالكرامة الوطنية والقدرة على التغيير ومواجهة عزائم الأمور في الداخل والخارج. وهذه الحالة إذا ما استطاع الأخوان المسلمين المحافظة على أسباب وجودها لنجحوا في الأخد بين الشعب إلى المستقبل الذي يحلموا به. وهذه الحالة التي تساهم في صناعتها الجماعات السلفية والأحزاب الدينية الجديدة، تصب في خانة مهمة ألا وهي قدرة التيارات الدينية على توجيه الدستور وكافة القوانين التي تريدها أغلبية المجتمع على هواها الخاص. ومن أهم أسباب استمرار هذه الحالة ألا تدع جماعة الإخوان فرصة لدى التيارات السياسية أو القوى الدينية الأخرى أن تشعل أزمات أو توقد وسط المجتمع نارا تلتهم الاستقرار الذي نبغيه أو تهيل الحوائط الآيلة للسقوط.
نأمل أن يعترف الزملاء في جماعة الإخوان أن " تكويشهم" على لجنة تأسيس الدستور عبر الأغلبية التي يمتلكونها ويحركونها على طريقتهم المعروفة
بالولاء والسمع والطاعة والاكتفاء بضم بعض الشخصيات التي تضعهم في طائفة المحبين لهم أو المريديين لنهجهم، كان خطئا استراتيجيا. فلو كنا  نملك تلك الأغلبية، المحاطة بأجواء شعبية تتفق معها لفتحنا الأبواب على متسعها للأغيار والمخالفين للملة والرأي ونحن على ثقة من خياراتنا وما ستؤدي إليه من نتائج. فالمعروف أن اللجنة الدستورية لن تضع موادا تخالف ما اتفق عليه هوى الجماعة الوطنية الآن والمتمثلة في الحفاظ على هوية مصر الإسلامية وحقوق الأقباط والمسيحيين. و إذا ما خالفت تلك اللجنة المبادئ التي تعتقد جماعة الإخوان بها، فإن الشعب الذي سيقر تلك المبادئ في استفتاء عام، سيكون الحكم وصاحب الكلمة الأخيرة فيها. وساعتها سيكون للإخوان بما تملكه من قوة إعلامية جبارة وقدرة تنظيمية فائقة أن تحرك الشارع، وتظهر على الملأ مدى مخالفة اللجنة التأسيسية لهواه الذي بان عليه بعد الثورة.  وفي حالة افتراض أن الشعب تعرض للتدليس ولم تقم آلات الإعلام والتنظيمات بتنبيهه للمصائب التى  تحاك به، فلن يكن لأي تشريع قادم قدرة على المرور من برلمان تتحكم فيه الجماعة بأغلبيتها مع الجماعات السلفية التي تتحكم في ثلثي البرلمان.
إذن شهوة السيطرة على اللجنة التأسيسية لم تكن خطأ استراتيجيا فحسب، بل استعجالا في توزيع الأدوار بما تملكه  الجماعة من علاقات خاصة مع شخصيات سياسية ورموز حزبية بعينها، رأت أن توزع عليها شرف العضوية في اللجنة وتستبعد من تراه غير مؤهل لحمل هذا الشرف، فإذ ببعضها يدرك خطورة اللعبة التي حيكت له ويفر بجلده منها  ويترك الجماعة في مهب الريح. ونخشى أن يكون دفع الجماعة بالمهندس خيرت الشاطر في أتون معركة الرئاسة جزءاَ من الخطأ الأستراتيجي الذي وقعت فيه في اطار شهوة الاستحواذ على السلطة أو معركة مفتعلة تدخل بها موسوعة لعبة الأمم التي تدار عبر أنظمة المخابرات الدولية، والتي تجعل من الرئيس القادم مجرد واجهة لجماعة متفقة مع رموز في الداخل وتدير حسابات مع دول ومنظمات في الخارج، صديقة كانت أم تقع في دائرة الأعداء.
نصيحة نوجهها لجماعة الإخوان، ويعلم بعض رموزهم ماذا تحملنا من مظالم لمساعدتهم في نقل وجهة نظرهم  في أجهزة الإعلام حينما كان الجميع يخشى الاقتراب منهم، ألا يتحول مشروعهم إلى شهوة أو نزوة  مؤقتة، وأن يعتقدوا أن حالة الشعب الدينية ستظل مستمرة إلى الأبد. فهم يعلمون أن الفقر يولد الكفر وحالة الانفلات والاستقرار تدفع البعض حاليا إلى مناشدة المخلوع بالعودة إلى قصره المهجور. فلا يعتقدوا أن الأغلبية التي يملكونها محصنة للأبد، طالما عملوا في مجتمع يسكنه الشقاق والنفاق. فلا تفرحوا بما في أيديكم حتى لا تندموا على ما آتاكم، وافتحوا الأبواب أمام الجميع ليدخل هواء الحرية والديمقرطية ولو دخل منها بعض الذباب والأوباش.
[email protected]