رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

برلمان الشعب .. بطعم الثورة

عـادل صبـرى

الأحد, 29 يناير 2012 09:04
بقلم: عادل صبري

مشهد آثر ظهر به برلمان الثورة، مع اللحظات الأولى لميلاده رسميا. فلا يعرف الفارق الكبير بين مجلس الشعب الذي أتى عن طريق الصوت الحر المباشر من الناس إلا من عايش ذلك البرلمان المصطنع، الذي جاء نهاية عام 2010، ولم يدم لعدة أيام. لذا فضلت ألا أعلق على لحظة الميلاد هذه إلا بعد مرور فترة من الزمن، تعيد المرء إلى زاوية المراقب، دون دهشة أو تحيز.

قد لا يتذكر الناس أن برلمان 2010، الذي ولد على يد الفتى المعجزة أحمد عز، وتلاميذه في أمن الدولة، وفتوات الحزب الوطني، لم يكن باطلا في تكوينه فحسب، بل ضم نخبة من لصوص المال العام والبلطجية. وبلغ الأمر أن مايسترو الحزب الوطني في حينه، استبعد أية عناصر وطنية، دخلت الحزب الحاكم بحسن نية ورغبة في إحداث تغيير حقيقي من الداخلي، فطردت منه شر طردة. وعندما أتت هذه الشرذمة إلى البرلمان قبيل الثورة، شعر من في البلاد بخيبة أمل فظيعة، بينما كان الفتى المعجزة يكتب في جريدة الأهرام على مدى 3 أيام متصلة ما أسماه دراسة في الانتخابات، بأن الحزب الوطني فاز بالأغلبية الساحقة لأنه عبر عن رغبة الجماهير وقوتهم التصويتية. ووقف أمين الحزب صفوت الشريف يهدد ممثل حزبه في مجلس الشورى، الدكتور محمد رجب، ويطالبه بالاعتذار عن كلمته التي حذر فيها من غضبة الناس الثائرة ضد موجه الغلاء وارتفاع معدلات الفساد والبطالة. وفي مثل هذا اليوم، حاول المصريون الالتفاف حول البرلمان الهزلي، بتشكيل برلمان شعبي، يعبر عن الشعب بحق، فإذ بكبيرهم الذي علمهم الفساد، يسخر من رموز العمل السياسي في البلاد، بقوله: خليهم يتسلوا.
هذا المشهد العجيب الذي كشف القناع الزائف عن حسنى مبارك، والذي كان البعض يرفض المساس به شخصيا، على أنه الحكم الأخير بين السلطات، فإذ به يعلن على الملأ أنه حامي التزوير الفاضح، ونصير كل أعمال الإجرام التي تمت بلا حياء، وأتت بتلك الشرذمة تحت قبة البرلمان. وجاءت

الضحكات على ألسنة النواب من محترفي الرقص تحت أرجل الفرعون ولاعقى أحذية النظام، بما جعلنى شخصيا أصاب بنوبة يأس شديدة، دفعتنى لطلب العزلة والرغبة في مغادرة البلاد للأبد بأية وسيلة.
عندما رأيت مشهد بداية الدورة البرلمانية الجديدة، أيقنت أن البلد خطت أولى خطواتها، في طريق الثورة. فشتان بين أمس حيث تراقص تحت القبة الغاوون، واليوم عندما جاء الفائزون المختارون بكلمة الشعب. لقد هالني أن كثيرا من الكتابات ركزت على الجوانب السلبية التي وقعت في الجلسة الأولى في البرلمان، والمتعلقة بأمور شكلية حاول إثارتها بعض النواب، وتجاهلوا المعجزة التي وقعت أمام أعيننا. فلعبة الكراسي التي كان النظام البائد يحركها كيفما شاء تغيرت قواعدها، حتى جلس الدكتور سعد الكتاتني الذي أسقطه النظام البائد عمدا في انتخابات2010، في نفس مقعد رئيس البرلمان السابق، كعضو ثم رئيس للمجلس. وها هي المعارضة التي كتمت أنفاسها في السنوات السابقة، تتحول بقرار الشعب إلى أغلبية كاسحة. وتلك الأصوات المكتومة، تنطلق حناجرها كالرعد في كافة أركان البرلمان.
لا يهم في ذلك المشهد أن تكون الأغلبية، غير متوافقة مع ما أحب أو أرغب، أو أن تكون الأقلية هي المعبرة عن صوتي، فما نحتاج إليه أن نفرح بحق مع مجلس جاء بإرادة حقيقية من الجماهير، وأن يعمل الجميع على ضمان استمرار التغيير بنفس القواعد الديمقراطية التي اتفقنا على أدواتها. والأهم في ذلك كله أن ضربة البداية للجلسة الافتتاحية، جاءت مذهلة. فمن كان يتوقع أن يأتي الدكتور محمود السقا، الذي منع مرارا من دخول البرلمان، رئيسا لهذه الجلسة التاريخية. وليعلم من لا يعرف أن الدكتور محمود السقا الذي أبهرنا بكلماته النارية في جلسة المراسم، هذه كان أول من قاد
تظاهرة ضد تزوير إرادة الشعب، عام 1987، أمام الباب الرئيسي لمجلس الشعب، ليطالب الدكتور رفعت المحجوب رئيس المجلس في حينه بأن ينصت لكلمة الناس والقضاء، ويسمح بدخول 57 نائبا ناجحا على قوائم الوفد، إلى مقاعدهم، فلم يتورع المحجوب عن تهديد زميله في الدراسة والعمل الجامعي، ويطالبه بفض المظاهرة التي شارك بها قادة الوفد العظام أمثال الراحلين الدكتور عبد الحميد حشيش والدكتور ابراهيم أباظة، وإلا استخدم ضدهم العنف بقسوة.
لا يشعر بالنعمة على هذا المشهد إلا من حضر المأساة التي كانت تحدث في جلسات الأولي للبرلمان، فلا يعلم البعض أن الجلسة التي استغرقت نحو 13 ساعة متصلة، كانت تجرى في بضع دقائق، لأن النواب كانوا يساقون إليها، انطلاقا من حظيرة الحزب الوطني وتعليمات أمانته العامة وأجهزة الأمن. فقد كانت المنافسة على منصب الرئيس وغيرها محظورة، إلا بدفوع أمنية أو أهواء شيطانية، بينما تأتي جداول كشوف اللجان النوعية وفقا لنتائج صراع اللصوص التي تجعل من كل لجنة بابا خلفيا للعطايا والمنح، التي تكفل لبعض المسئولين تشكيل ميزانية الدولة وتوجيه مواردها وفقا لمصالحهم الخاص. فلم تكن هناك منافسات سياسية، بل بلطجة رسمية وألاعيب تتم على الملأ، وعلى الأغلبية أن تقبل العمل بها، مقابل المشاركة في جنى ثمار الفساد، كل حسب رغبته وقوته.
تركز بعض الأقلام والفضائيات التي يديرها فلول النظام البائد، على سلبيات الجلسة الأولى للبرلمان، ولم يلحظوا أن الثورة منحتهم فرصة العمر، وسمحت لهم وعدساتهم بالوجود داخل البرلمان لأول مرة، بعد أن كان محظورا إلا على الصفوة والقلة المندسة على استحياء بينهم من صحف المعارضة. فلم نفلح يوما في إذاعة أعمال البرلمان على الهواء مباشرة، رغم المطالبة بذلك مرارا، حتى لا تمر كلمات النواب على ناخبيهم دون أن تختمها يد الرقيب، ويوافق عليها قادة الأمن والحزب الحاكم. وها نحن اليوم نرى ما يجري تحت القبة رأي العين وملء السمع والبصر، دون تورية ولا رتوش، فأصبح الشعب شهيدا، ورقيبا على نوابه، متحملا لتوابع اختياراته. هذا الحق الدستور الممنوح للشعب، سيخلق الدافع وراء النواب لتحقيق مطالب الناس وإلا فإن ساعة الحساب ستكون قاسية عليهم. يطمح الناس أن يولد برلمان الثورة معبرا عن طموحات ثورة شعب عظيم، لكن يكفينا أن لحظة الميلاد جاءت بإرادتنا ومعبرة عن كلمتنا، وعلينا أن نواصل المسير. فلن نسمح بعد الثورة أن ينفصل النواب عن شعبهم، ولن نجعلهم بعيدا عن عيوننا، فمن أصلح فلنفسه ومن لم يصلح، فما هو عن أيادينا ببعيد.
[email protected]