رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نقطة نظام

عـادل صبـرى

الجمعة, 19 نوفمبر 2010 17:49
بقلم: عادل صبري

تمنى الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب أن يشهد في الدورة البرلمانية المقبلة عددا من النواب المعاقين. ربما تعكس أمنية الرجل طيبته والمشاعر الصوفية التي علقت بقلبه منذ أصبح وليا على مسجد السيدة زينب الشهيرة بأم العواجز.

وتأتي  الأمنية عقب موسم برلماني ظل فيه مئات المعاقين مضربين عن الطعام أمام بوابة مجلس الشعب. وحاول الدكتور سرور حث الحكومة عدة مرات على النظر إلى حال المضربين ومنحهم فرصة للحياة الشريفة والالتزام بالقانون الذي يمنح المعاقين 5% من فرص العمل بالمؤسسات في الدولة دون جدوى. في كل الأحوال جاءت الأمنية في محلها، فالدولة التي لم تعترف واقعيا بحقوق المعاقين أصبحت تضم نحو 9 ملايين معاق مسجل منهم في الجهات الحكومية نحو 3 ملايين فقط، والبقة يختبئون بعيدا عن العمل العام ومحبوسين بين الجدران في حماية العائلات وأهل الخير.

غرابة الأمنية التى طرحها رئيس المجلس لا تنبع من وجود عوائق قانونية تحول دون تمثيل هذه الفئة للمجتمع في البرلمان أو النقابات، فنحن دولة نتمتع بالعديد من القوانين الجيدة وقليل منها سئ السمعة، وإنما في طرافة الهدف. فالدكتور سرور الذي يرأس البرلمان منذ عشرين عاما يعلم يقينا أن مجلس الشعب ضم نخبة من المعاقين وإن ظهروا أمام الملأ مفتولي العضلات وأصحاء البدن. فالإعاقة لا تتوقف عند الشهادات الرسمية التي تصدرها الشئون الاجتماعية حول نقص عضو في جسد بني آدم أو عدم قدرته على الشوف والحركة كباقي خلق الله، بل تعريف المعاق علميا بأنه الشخص الذي يحتاج إلى عون الآخرين بصفة دائمة أو مؤقتة. وإذا طبقنا هذا التعريف نستطيع أن نؤكد أن عددا كبيرا من نواب مجلس الشعب كانوا من المعاقين جسديا وفكريا.

إن الدكتور فتحي سرور يعرف أن عددا من رؤساء اللجان البرلمانية كانوا يحملون على أربع خلال السنوات الماضية ليدخلوا الجلسات، ومنهم من مكث في المستشفيات لعلة في القلب أو المخ والعظام، مع ذلك رفضوا ترك مناصبهم أملا في أن تكون جنائزهم رسمية وأن يخلفهم في دوائرهم أفراد من أبنائهم وعوائلهم. وكم شاهدنا في المجلس نواب أميون

لا يقدرون على قراءة تقرير أو تقديم طلب أو مخاطبة مسئول إلا عن طريق طرف ثالث. وكم من نائب جلس في مقعده ساكنا حتى نافس " أبو الهول" في صمته الطويل. ومن النواب من أصابته العلة في أعضائه الذكرية، فطلب من المجلس حل معضلته   أملا في أن يعود الشيخ لصباه وصرف الأدوية وأجور الأطباء، واجرى عمليات على حساب الموازنة العامة للدولة، دون أن ينفع الناس بشئ. وكم من نائب قاده تفكيره الأعوج إلى مطاردة النساء والمتاجرة بتأشيرات الوزراء وسفر الحجاج ولم يجد رادعا يوقفه عند حدود الأدب أو حرمة القانون.

إذ لم تكن هذه حالات إعاقة مرت على الدكتور سرور، فنعتقد أن تعريف المعاق عنده مازال مرتبطا بالشخصيات التي تعاني من عيوب خلقية فقط. وطالما أن أمنية الدكتور سرور متعلقة بهذه الفئة من البشر المغلوب على أمرها، فإننا نتمني مثله أن يبدأ احترام المعاق على أرض الواقع متخطيا حدود الورق الذي تكتب فيه القوانين. فالمعاق في بلدنا لا يجد البيئة التى تساعده على التمتع بأبسط مبادئ الحياة. ولا توجد في بلدنا حقوق لتعليم المعاقين التي لا يقدر على أعبائها إلا الأسر القادرة على الانفاق ببذخ على المدرسين الخصوصيين، ومدارس التربية الفكرية و الخاصة. ولا يستطيع المعاق أن يمشي في أية شوراع، فالأرصفة إن وجدت تحتاج إلى لياقة الغزلان وقوة الأسود.

ومن الصعب على الشخص العادي أن يجتاز تقاطعات الطرق أو اللحاق بمواصلة عامة أو خاصة إلا القادرين على تحمل أعباء التاكسيات والسيارات التي يقودها سائق خاص. ورغم أن العديد من الجامعات تفتح أبوابها للمعاقين فإن العديد من الكليات تفرض شروطا قاسية تضع الكفيف في نوعية معينة من التدريس وتحدد مهام القعيد والأعرج والأعور وفقا لأهواء العاملين بها، دون النظر إلى أية تطلعات

المساكين أصحاب الموهبة والرأي. وعندما يتخرج المعاق لا يجد أمامه فرصا للتعين إلا في بعض المؤسسات التي توفر لهم عملا مقابل الحد الأدني للأجر للتتمتع هي بمساعدات خاصة من الدولة أو الجمعيات الخيرية التي تقدم دعما للجهات المتعاملة مع المعاقين.

لقد رفعت الدولة أيديها عن المعاقين، بعد أن فشلت في احتضان الأصحاء، لهذا أصبح المعاق فريسة للإعاقة والبطالة ونظرة المجتمع إليه على أنه عالة على الجميع. هذه النظرة الدونية تدفع العديد من المعاقين إلى العيش في ظلمة داكنة، والخروج على المجتمع بعادات شاذة أو الرغبة في الانتقام فتزيد من معدلات الجريمة  بينهم، وتقود العديد منهم إلى عالم المخدرات للهروب من الواقع الأليم الذي يحيونه.

من السهل على المعاقين أن يصلوا إلى البرلمان، خاصة أن منهم أعضاء في مؤسسات اجتماعية ترعاها شخصيات مهمة في  الدولة وبعض هؤلاء أصبحوا رموزا في بعض الوظائف الكبرى والأندية الرياضية، ولكن وصول معاق إلى البرلمان ليس نهاية المطاف. فالأمر يحتاج من الدكتور سرور ولي دائرة السيدة زينب أم العواجز ما هو أكثر من الأماني للمعاقين.


فليس من الأنصاف أن يسكت على عدم تشغيل المعاقين وتجاهل نسبتهم في شغل الوظائف العامة والخاصة. وعلى الدكتور سرور ومن دونه أن يحاربوا لجعل شوراعنا مؤهلة لسير المعاق، وأن تكون مدارسنا معدة لتعليم هؤلاء، وأن تتغير نظرة المؤسسات التعليمية إلى المعاق ليظهر من بينهم أمثال طه حسين . فالمعاق في الخارج لم يؤهل فقط للفوز بجوائز نوبل في الكيمياء والفيزياء، بل منهم من رأس الدول كالرئيس الراحل روزفلت الذي قاد الولايات المتحدة إلى نصر مبين على النازية في الحرب العالمية الثانية.

من الممكن أن تتحول طاقة 9 ملايين معاق إلى طاقة دافعة في اقتصاد الدولة وقوة المجتمع إذا احسنا اعداد  المعاق بالشكل الذي يليق به  ويناسب امكاناته، ولكن ترك حل مشكلة المعاق في رقبة أهله وأكثرهم من غير القادرين يضيف أعباء ثقيلة على الأسر ويجعلهم بحق عالة على المجتمع.


لذا فإن اطلاق الأمنيات لن يحل أزمة المعاقين، وعلى من يتمنون لهم الرقى أن يمدوا لهم يد العون بكد واحترام، حتى لا يستمر المعاق مجرد شحاذا في ساحات أم العواجز أو الحسين أو بهلول في دوار العمدة أو نزلاء مراكز رعاية الأحداث. علينا أن نحول أمنياتنا للمعاقين إلى أفعال، خاصة أن الإعاقة عند البعض قد تكون عرض زائل، ولكن من المؤكد أن الإعاقة قد تصبح هي الأصل عند أي انسان. فليس منا  المحصن ضد المرض أو الحوادث العارضة، ولا يستطيع أي شخص مهما أوتي  من قوة أن يضمن عدم وقوع أحبابه في هذا المستنقع الخطير.

[email protected]