اتقوا أجسادا أصبحت وقـودا ونـارا!

عـادل صبـرى

السبت, 22 يناير 2011 12:32
بقلم: عادل صـبري

ليست مصادفة أن يقدم الراغبون في الانتحار حرقا الأسبوع الماضي على أن تكون نهايتهم في الطريق الفاصل بين مجلسي الشعب والوزراء. فالدوافع التي جعلت الناس تقبل على الانتحار على طريقة مفجر الثورة التونسية محمد بوعزيزي، ظهرت مثل دفقة البراكين الثائرة، محملة بمشاعر الغضب والرغبة في الثأر لكرامتهم وحقوقهم المهدرة. ومثل هؤلاء يرون ضرورة أن تكون احتجاجاتهم الثورية مثلما تكون شهادة للوفاة، تصبح وصمة عار في جبين الحكومة ونواب الشعب الذين تركوهم نهبا لأفعال سلطات إدارية وحكومية وظروف اقتصادية، ساقتهم إلى الموت بطرق بشعة.

وعندما تكررت حالات الانتحار وتعددت أسبابها، لفتت الأنظار إلى أن المجلس النيابي الذي ولد ميتا منذ عدة أسابيع، بعد انتخابات سادها التزوير وأعمال البلطجة والرشوة  كأنما يتخطفه الموت العاجل. وأصيبت الحكومة المطلة على الطرف الآخر من الشارع، والتي أشرفت على اختيار نواب البرلمان بهزة عصبية، وهشاشة في البنيان جعلت كل مسئول يتصرف بهذيان غريب، ويطلق تصريحات وردية، حول توافر فرص العمل و خفض الأسعار وتأمين السلع وتحسين الخدمات. أراد المنتحرون أن تكون صرختهم الأخيرة عالية، كي تسقط الحكومة ويموت البرلمان، طالما تركا الناس تموت ببطء بعد أن فقدت قدرتها على العيش بكرامة وانعدمت فرصتها في الحصول على حقوقها في ظل غياب دولة القانون.

انتابت السلطة حالة إفاقة غريبة، وكأنها تريد الخروج من غرفة الانعاش، كي تقاوم ظاهرة البوعزيزي، التي تزداد عصبتها يوما بعد آخر. لم تفكر الحكومة أن تكمل مافات الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن على، والذي أعلن أنه فهم شعبه قبيل ساعات من طرده من البلاد، وفراره للأبد مذعورا مدحورا. جاء الفهم متأخرا لـ"بن على" ، مع ذلك فإن الحكومة لم تتعظ بعد، وتقاوم ظاهرة المنتحرين عبر القنوات الرسمية والدينية بأن من يرتكبها مجرم آثم وكافر. وكأن المنتحرين لا يعلمون  أن مصيرهم النار، وكأن منحهم شهادة حكومية بالكفر ودخول جهنم ستمنع اليائسين من حياتهم من تكرار أفعالهم، أو تدفع خصوم النظام إلى الفزع والتسليم بقضاء الحكومة وقدرها الذي فرضته على عباد الله.

الدرس الذي علمه بوعزيزي للسلطة المتجبرة في تونس، ولم يفهمه نظامنا بعد،

 هو عدم التهوين من أمر إنسان مهما قل شأنه، وأن يتساوى البشر أمام القانون، وأن يحكم السادة بالعدل والإنصاف. فعندما أشعل بوعزيزي النار في نفسه، لم يخرج الناس على حكم بن على بعد تربعه على عرشه نحو ربع قرن من أجل نصرة أخ لهم في المواطنة، بل ثار على طغمة عاثت في الأرض فسادا، وجعلت من أوراق الدستور والقانون خرقا بالية تٌمسح بها أحذية السلطة، ونشرت الفحشاء والضغينة في كل مكان. كانت ضربة البداية بيد بوعزيزي أمام مبني  البلدية، بينما الضربة الكبري،  وقعت في قصر الحكم، أطاحت بالرئيس والحكومة وبرلمان و حزب ساهم رجاله في صناعة حكم فاسد، استطاع على مدار عقدين من الزمان أن يصدّر للخارج صورة مغايرة تماما للحياة التي يعيشها التوانسة في الداخل.

تحاول الحكومة وبرلمان حزبها أن تهون من آثار الحرائق التي أشعلها بعض المواطنين في أجسادهم بشارع مجلس الشعب، تارة بأنهم مرضى نفسيون، وأخرى بأن منهم منحرفين أو ضعاف النفوس أو طالبي الشهرة من الكفرة والخارجين على الملة والدين. وتتجاهل الحكومة الذكية أن المجتمع الذي يئن من الفقر والبطالة والفساد، حَول الأجساد البشرية إلى وقود لأية آلة حارقة. فمن لم تصهره مشكلة أحرقته أخرى، فأصبح كالجمرات الملتهبة إما ظاهرة وإما تحت الرماد جاهزة للانفجار،  تنتظر فقط من ينبش عنها التراب. ولم تتوان عن التهوين من أمر الذين أحرقوا أجسادهم أمام محافظة القاهرة أو بالإسكندرية، وكأنها تنتظر أن يتكرر السيناريو التونسي، لتقول للناس في الساعات الأخيرة من عمرها، خلاص فهمتكم وأعرف ما تريدون، تماما كما فعل بن على، فلم يجد سمعا ولا طاعة من شعب خرج عليه وصمم على إتمام ثورته!.

إن الشعب المصري صبور على "بلاوي" حكامه، ولكن من الخطأ أن نرهن مستقبل شعب على نتائج فعل مجهول، قد يحدث بشكل آخر

وبصورة أخرى، ولكن في توقيت متقارب. فمن المألوف تاريخيا أن تشهد البلدان المتشابهة في الظروف الاجتماعية والسياسية ظواهر متشابهة أيضا. وليس ببعيد حالة الفوران التي انتابت المنطقة العربية بعد ثورة يوليو 1952، وليس بخاف على الناس ما تشهده أمريكا اللاتينية من تحولات ديمقراطية وخروج على الطاعة الأمريكية، بدأت من كوبا إلى فنزويلا وامتدت إلى البرازيل وبيرو والأرجنتين. وما يحدث من تحولات داخل المجموعة الأوروبية ضد هيمنة أمريكا وألمانيا على مقدرات شعوبها، بداية لإعادة صياغة جديدة للمجتمع الأوروبي، الذي كاد يحقق أول وحدة تاريخية من نوعها بين قوميات متصارعة تاريخيا.

لن يسمح الوقت لبرلمان شكله الحزب الحاكم على هواه، وحكومة غير قادرة على إدارة  شئون شعبها بكفاءة أن تطلب عونا من الخارج، لمواجهة شعب أصبحت أجساده مشتعلة وهيأت نفسها كي تصبح وقودا وحجارة. فها هو زين العابدين بن على الذي كان يشيد به الأوروبيون ويدعونا الأمريكان لتقليد مآثره، عندما تهاوت عروشه نبذته فرنسا وطردته إيطاليا وهاجمته أمريكا ولهفت أمواله سويسرا ولم يجد حصنا إلا في بلد عربي استقبله بقانون قبلي يأوي من يستجير به.

لا رهان بعد اليوم لأنظمة إلا على رضاء شعوبها، والأحوال التي نعيشها لا تجعل الشعب يراهن على حياة مع حكومته ولا برلمانه ولا الحزب الذي يهيمن على مقدرات الحكم منذ عقود. لذا لن تتوقف الحرائق البشرية سواء التي تندلع أمام البرلمان أو غيره من الأماكن العامة. ولن تسكت الحرائق لمجرد أن أحد سدنة الحكم يصرخ تحت القبة بأن الفساد للركب، بينما يعلم أن الفساد حوله ويقع تحت بصره في أموال الناس التي تمنح في شكل هدايا ومكافآت وهبات لبعض كبار المسئولين في الدولة. ولن تتوقف الأفعال المجنونة  طالما أن لدينا حكومة كل ما تفكر فيه إرضاء عصبة من الرجال والنساء، وضعت أيديها على أراضي الدولة وتنهب خيراتها، بينما المواطن البائس يتحمل عبء ضعف موارد الدولة وفروق دعم السلع وقلة الصادرات وفاتورة الواردات من مأكولات القطط والكلاب والسيارات الفارهة.

إذا أرادت الحكومة والبرلمان وقف الحرائق البشرية بحق فما عليهما إلا رفع راية القانون والعدالة. فالعدل بين الناس يعيد الهدوء والسكينة إلى نفوسهم، بما يرجع إليهم صوابهم، ويبعدهم عن الأفكار الشيطانية التي تدفعهم للموت حرقا أمام مجلسي الشعب والوزراء أو انتحارا في الغرف المغلقة. ومن عادة الناس أن تتحمل المكاره إذا ما شعرت أن ما تعانيه لا يقع عليها وحدها بل يشاركها آخرون في تحمله، سواء كانوا من حولهم أو رؤسائهم. ولن يعفو الناس عن طلب الرشا والموبقات  وارتكاب الفساد إلا إذا عفت حكوماتهم ونوابهم وحكامهم. فعفوا تعف رعيتكم واعدلوا فإن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة.


[email protected]