رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشعب يريد إسقاط النظام!

عـادل صبـرى

الأحد, 27 نوفمبر 2011 08:59
بقلم : عادل صبري

خرجت من مصر غاضباً على ما يحاك بثورة شعب تختطف منه على الملأ، فلا يملك الثوار قدرة إدارتها أو الدفاع عنها ولا الشعب يعرف طريقا للخلاص. عند مروري على ميدان التحرير كانت الأصوات تتعالى: الشعب يريد اسقاط المشير.. يسقط يسقط حكم العسكر.. فدخلت الصرخات أذني كالسيخ المحمي في نار جهنم!.

أخذت أبحث عن أسباب التحول الذي أصاب من في التحرير، بهذه الطريقة المفجعة.فقد كنت حاضرا مظاهرات 28 يناير ومن أول الدفعات التي دخلت الميدان جماعة، بعد دحضهم لقوات الأمن المركزي في كافة المنافذ المؤدية للميدان. وكنت شاهدا لأول قافلة عسكرية دخلت ميدان التحرير، وحينها خرجت من أفواهنا وقلوبنا كلمة وضعها الله على ألستنا، وهي: الجيش والشعب أيد واحدة!.
كانت كلمة «الجيش والشعب أيد واحدة» تزلزل الميدان، لدرجة غيرت مسار المواجهة التي أرادها الرئيس المخلوع بين الشعب والجيش، فبدلا من ضرب الجيش للمتظاهرين تحول العسكر إلى حماة للثورة والثوار. صار الشعب على نهجه من احترام وتوقير للقوات المسلحة، لدرجة جعلت البعض ينادي باستمرار المجلس العسكري في حكم البلاد لعدة سنوات حتى تهدأ البلاد وتظهر معالم طريق واضحة نحو المستقبل. لم يتغير موقف الشعب عن موقفه من المجلس العسكري، فلماذا إذن خرج الآن يهتف ضد المجلس ورجاله، ويطالب بتسليم السلطة لمجلس آخر، بل يتشكك في كل ما يطرحه من رؤى وأفكار وشخوص لتحمل مسئولية إدارة البلاد؟!.
حالة عدم الثقة بين المجلس العسكري والشعب لم تأت دفعة واحدة، بل هناك مواقف عديدة أدت إلى الأزمة التي لا نعرف كيف الخروج منها، وتهدد البلاد بكارثة حقيقية. فالناس لم تخرج بالملايين تصرخ بطلب الرحيل، من فئات اجتماعية وسياسية متنوعة، ولا تستطيع جهة أن تؤثر في توجهها، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه قادر على توجيه أدمغة الغاضبين في ميدان التحرير، وغيره من الميادين الثائرة في أنحاء الجمهورية. شاءت الأقدار أن تكون سفرتي لعدة ساعات لمدينة بيروت اللبنانية، لحضور مؤتمر عن تأثير شبكات الاتصال عبر الانترنت والهواتف على المجتمعات العربية والدولية، سببا في تفسير ما نراه الآن من تخبط في العلاقات والمواقف بين المجلس العسكري والشعب. فقد لا حظنا جميعا أن المجلس العسكري

والحكومة تعاملت مع الثورة والثوار بنفس منطق الرئيس والنظام السابق. تخلق أزمة ولا تستطيع أن تدافع عن أسبابها أو مواجهة تداعياتها. فها هي وقد طرحت وثيقة المبادئ الدستورية، وتدفع بالحكومة لطرحها على الملأ كأمر واقع، ثم تظهر المعارضة الشديدة لها، فلا ترد وتختفي حتى يتظاهر الملايين، وتحدث المواجهات القاتلة بين الشعب والشرطة والجيش، وتسال الدماء الطاهرة وتبدأ الحلول بعد فوات الأوان. ويبحث المجلس العسكري في دفاتره، فلا يجد إلا صورا وضعت في المتاحف، فيأتي بها زاعما أنها القادرة على إدارة شئون البلاد. أثبتت الوقائع التي تمر بها مصر ما كنا نتدارسه في المؤتمر الذي حضره ممثلون عن كافة دول الشرق الأوسط، من خبراء ومهندسين وإعلاميين، وهو أن هناك هوة كبيرة بين من يحكمون مصر وغيرها من الدول العربية والشباب الذي أصبح محركا ووقودا لهذه الثورات.
فالدراسات أظهرت أن الأزمة التي تمر بها مصر، أن هناك «مجلس عسكري» وحكومة لا يعرفان حدود الواقع المحيط بهما، ولا نوعية الشباب الذي يحكمونه. وفقدان هذه المعلومات كان سببا من أسباب انهيار النظام السابق الذي فوجئ بأن «الشباب السيس.. بتوع الفيس بوك» ورسائل «تويتر» الذين أخرجوا الناس من بيوتهم ضد الفساد والظلم والصياح بأعلى صوتهم يسقط.. يسقط حسني مبارك ودعوتهم له بالرحيل، و«مش ها نمشي.. هوا يمشي» وغيرها من النداءات التي عادت تتكرر على أسماعنا في التحرير، بعد 10 أشهر من انطلاق الثورة المصرية. لقد اعتمد المجلس العسكري على تكريس السلطة الأبوية، لدى الناس وساعده في ذلك التيار الديني وبعض القادة والأحزاب القديمة والحديثة التي تضم رموز الحزب البائد. ولم يلحظ هؤلاء جميعا أن استخدامهم لسطوتهم السياسية وأدواتهم الإعلامية التقليدية عبر الصحف أو الفضائيات لم تعد له قيمة عند الشباب المؤثر على قرار الخروج في مظاهرات التحرير أو التناقش حول مستقبل البلاد. وهؤلاء لم يعرفوا بعد أن
بساط الإنترنت الذي فجر الثورة المصرية وغيرها من ثورات الربيع العربي،زاد من قدرته على تحريك الأمور بصورة خطيرة. فمصر وحدها طبقا للاحصائية التي ذكرها الزميل اللبناني عمر كريستيدس الرئيس التنفيذي لمؤسسة عرب نت، تزايد حجم المستخدمين حاليا نحو 28مليون شخص، ووارتفع عدد متصفحي الفيس بوك بنسبة 24% وتويتر التي تنقل أخبارا قصيرة في أغلبها عن ميدان التحرير بنسبة 65% بينما بلغ متوسط الزيادة اليومية في قراءة الانترنت بنحو 50% في 10 أشهر فقط.. ورغم معرفة المجلس العسكري بأهمية الفيس بوك وانشائه موقع له، للتفاعل مع الناس، إلا أن استخدامه قصر على اصدار البيانات الرسمية التي تأتي في أغلب الأحيان متأخرة عن موعدها، وتثير مشاكل أكثر من أن تطرح الحلول. كما توقف رئيس الوزراء عصام شرف عن تعامله اليومي على صفحته الخاصة إلا نادرا، بينما أغلق وزير الإعلام صفحته المستحدثه بعد توليه منصبه، خوفا من الهجوم عليه بالشتائم؟!..,وبذلك فرضوا على أنفسهم العزلة عن استخدام الوسائل الحديثة للتعامل مع قطاع عريض من الشعب، وبات الطرفات يتكلمان عن واقع مختلف وكل طرف أعطي للآخر أذن من طين وأخرى من عجين، لتظل مصر تجني الكارثة التي تأتي من الطرفين.
كان أولى بالمجلس العسكري أن يوجه قوته لمعرفة رأي الشباب والاشتباك معهم عبر الوسائل التي يفهمونها الآن ويستخدمونها بقوة، ويطرح عليهم الحوار على الملأ، بدلا من انتظار الهجوم عليه بهذه القسوة، التي نخشى نتائجها. ويدرك أن الإنترنت لم تعد وسيلة لنشر الشفافية والرقابة أو نشر الشائعات فقط، بل للتواصل الاجتماعي والسياسي، ويعدها أندرس لينبلاد رئيس أريكسون الشرق الأوسط، وسيلة للبناء واستثمارها من أفضل الطرق لتحقيق التنمية الاجتماعية والسياسية، خاصة في العالم النامي مثلنا.. وبدون توظيف هذه الوسيلة في وقت تنهار فيه قوة الإعلام التقليدي وتنخفض نسبة الإقبال على قراءة الصحف الورقية، خاصة في مصر والسعودية ولبنان، تصبح معالم المستقبل غامضة.. ويقول الدكتور الشاب زاهر ضاوي أستاذ الاتصالات بالجامعة الأمريكية في بيروت: علينا أن نتعرف على الحقبة التي نعيشها، فالربيع لا يأتي بزهرة واحدة، وقد أضفت إلى محاضرته: أن الحرية لا تصنعها يد واحدة، لا المجلس العسكري ولا الشباب في الشارع كل بمفرده.
إن الثورة المصرية لن تعيش بفوران الثوار والشباب فقط، ولن تأتي بقوة المجلس العسكري، وعلينا أن نخلق الأجواء الجيدة للتواصل بين الطرفين، حتى يسمع كل منهما الآخر. لدينا الوسيلة بأدواتها وأفكارها، ولكن الكبار لا ينصتون إلى صوت المستقبل، وينسون أن «العيال السيس» يدخلون العالم الافتراضي، ليس هربا من الحاضر، وإنما يتعلمون منه الكثير أملا في تغيير الواقع. فإذا كان الكبار لا يفهمون خطورة تجاهلهم للثوار وأدواتهم، فهم بالتأكيد لا يدركون خطورة الواقع، الذي سيتغير حتما في اتجاه الشباب صناع المستقبل.
[email protected]