رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إيمان الكافرين وكفر المؤمنين!

عـادل صبـرى

السبت, 08 يناير 2011 17:14
بقلم : عادل صبري

وجه بابا الفاتيكان بندكت السادس رسالتين خلال أسبوع واحد؛ كانت الأولى بلهجة خشنة نحو الصين، والأخرى شديدة اللهجة تستعدي الدول الغربية على مصر والعالم العربي، تحثهم على عقد مؤتمر دولي لحماية المسيحيين في الشرق الأوسط. الرسالة الخشنة لم تكن فريدة من نوعها، حيث يسعى الفاتيكان منذ قيام الثورة الشيوعية عام 1949، إلى تدخله في تنصيب القساوسة من قبل البابا، بينما ترفض الصين تدخل الغرباء في تسيير أمور مواطنيها، ولو تلحف بستار الدين. فالدولة الصينية رفعت في بادئ الأمر شعار الإلحاد كعقيدة رسمية لدولة شيوعية على المبادئ الماركسية واللينينية، تحولت عنها تدريجيا مع انفتاحها على العالم منذ 30 عاما اقتصاديا، لتنتعش حياة معتنقي الأديان من جديد. فأقبل الصينيون على المعابد البوذية، والطاوية، وأعيد فتح المساجد التي تحولت العديد منها إلى متاحف، ودخل نحو 20 مليون شخص في المسيحية، وزاول عبدة النار والحجر والشجر معتقداتهم، وسط جو انفتاح الصين على العالم.

جاءت البوذية على رأس الديانات البشرية التي عاد الصينيون إلى ممارستها، باعتبارها ميراثا حضاريا للمواطنين امتد معهم نحو 2500 عام، فحسب الاحصاءات الرسمية يدين بها نحو 100 مليون شخص. وآمن بالمسيحية نحو 45 مليون شخص، بينما تذكر وكالة شنخوا للأنباء الصينية أن عدد المسلمين يبلغ نحو 23 مليون نسمة، ووفقا لأرقام غير رسمية يزيد عدد المسلمين عن 45 مليون نسمة. وتشهد الصين سباقا مفتوحا بين معتنقي الملل والنحل، ويمنح كل شخص بلغ 18عاما حرية اختيار الدين الذي يريده، فإذا حدده حتى سن العشرين، لا يستطيع أن يتحول عنه في الأوراق الرسمية للدولة، بينما يمنح له حق ممارسة شعائره كما يحلو له. مع زيادة اتصال الصينيين بالعالم الخارجي دخلت الجمعيات التبشيرية على الخط، فإحداهما تريد نشر الكاثوليكية وأخرى البروتستانية وثالثة إنجيلية ورابعة يهودية، بالإضافة إلى الجمعيات التي تعمل على تغليب طائفة بوذية على أخرى أو العودة للطاوية، وبروز دور للجماعات الاسلامية في المناطق الشمالية الغربية االقريبة من القوقاز وإيران وأفغانستان والباكستان.

رغم تحسن وضع المؤمنين بالأديان في الصين إلا أنها لم تترك الحبل على الغارب، خاصة أن ميراثها التاريخي مع الجمعيات التبشيرية كان وراء وقوع أراضيها تحت الاحتلال الانجليزي في المناطق الجنوبية الغربية المعروفة باسم

" الكانتون" وهونج كونج، بتمويل من الكنيسة الانجيلية التي ترأسها ملكة إنجلترا. ووضعت فرنسا قبضتها على المناطق الجنوبية الشرقية، بدعم من الكنيسة الكاثوليكية،فاحتلت شانجهاي والهند الصينية، وتدخلت روسيا في الشمال واحتلت مدينة تيانجين بدعم من الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وتبعتها الولايات المتحدة وأسبانيا وهولندا وألمانيا وإيطاليا في نفس المنطقة بزعم حماية الأقليات الدينية والمصالح الاقتصادية لمريدى تلك الأديان في المنطقة. باختصار وضعت الصين تحت براثن الاحتلال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وجزأت إربا بسبب الضغوط الاستعمارية التي قادتها المؤسسات التبشيرية، وهذا الميراث هو الذي دفع الثورة الشيوعية إلى تبني الإلحاد ومحاربة الأديان بشتى صورها السماوية والبشرية بعنف وضراوة، حتى عادت الثقة إلى نفوس الصينيين وعادوا للانفتاح على العالم من جديد.

عند عودة الصين للانفتاح على الأديان، لم تنس تجارب الماضي، فالإيمان بأي دين من وجهة نظرها يجب أن يكون معادلا لإيمان المواطن بالوطن، وإذا تعارضت مصلحة الوطن مع الدين تعلو مصالح الوطن فوق الجميع. لهذا لم تتورع الصين عن صد الحركات الاسلامية في شينجيانغ بعنف، عندما طالت الحرائق المتاجر والشوارع في مدينة أرومتشي عاصمة الأقليم منذ عامين. ولم يمنعها عن استخدام النار ضد المتظاهرين علاقاتهم التجارية الواسعة مع العالم العربي والإسلامي، ووجود مجموعات إسلامية كبيرة في مناطق حيوية داخل البلاد. وتحارب بشدة تحركات الدالاي لاما الزعيم الروحي للبوذيين في منطقة التبت، لأنه يسعى إلى فصل التبت عن جسد الدولة لأسباب دينية، بينما تحتوى خليفته الذي يعترف بهيمنة الدولة على التبتيين، مقابل منحهم حكما ذاتيا يتناسب مع طبيعة مجتمعهم الديني والاجتماعي. ولم تخش الصين تأييد الولايات المتحدة والغرب واستراليا للدالاي لاما، بل ترفض مناقشة الأمر برمته من أي دولة أخرى تسعى إلى وضع قضيته على مائدة المفاوضات.

يعلم القاصي والداني أن الصين ترفع لاءات ثلاث في وجه أصحاب الأديان جميعا، فلا للتمويل الأجنبي لبناء المساجد أو الكنائس والمعابد، ولا تنصيب لشيخ أو

قسيس أو ناسك إلا من قبل الجمعيات الدينية الصينية المحلية، ولا تدخل خارجي في تعليم الناس شئون دينهم، وعلى أبناء كل دين أو طائفة أن تعلم من يقدر على أن يكون شيخا أو قسيسا أو كاهنا، مع امكانية أن يرسل للخارج للحصول على دراسات عليا في تخصصه، كما تفعل مع طلاب المسلمين الذين يأتون للأزهر الشريف أو الجامعات التي تدرس العلوم الدينية واللاهوت المسيحي في أوربا، وذلك على نفقة الدولة أوتحت رعايتها الخاصة.

مع كل هذه الاحتياطات يزيد عدد المؤمنين بالأديان في الصين سنويا، فحسب الاحصاءات الرسمية دخل في المسيحية الكاثوليكية نحو 100 ألف شخص العام الماضي، ونحو 5 أضعافهم في البروتستانتية، وزاد المسلمون في المناطق الشمالية الغربية والمدن الكبرى إما لعودتهم عن النهج الشيوعي أو مخالطتهم للعرب والمسلمين. وتدفع ثقة الدولة في نفسها إلى إعلان الأرقام على الملأ، مع ذلك كان ردها عنيفا ورسميا على بابا الفاتيكان عندما تحدث الأسبوع الماضي، عن رفض الصين وجود مندوب عن البابا في اختيار قسيس لتعيينه كاهنا على الكنيسة الكاثوليكية في البلاد. فإيمان الدولة بنظامها السياسي جعلها ترفض أية وصاية على أبنائها من الخارج، والتدخل في شئونها تحت أي دواع دينية أو سياسية. وعندما تفعل الصين ذلك فهي تضع عينها على الماضي، حيث كانت بداية تجزئة البلاد على يد عملاء الكنيسة الانجيلية البريطانية، والتي أطاحت بميراث امبراطوريات لم تحكم إلا بعائلات صينية طوال 5 آلاف عام متصلة، ووضعت البلاد تحت الاستعمار لمدة قرن بأكمله.

لقد ظهر البون الشاسع بين دولة يحب البعض أن يطلق عليها الدولة الكافرة في مواجهة خطابي البابا، فكانت الدولة الصينية حاضرة بقوة في مواجهة رسالة خشنة للبابا بندكت السادس، جعلته يواصل سكوت الفاتيكان ضد الصين كما فعل من قبل منذ 60 عاما، بينما غابت الدولة هنا في وجه رسالة شديدة الخطورة تدعو الغرب إلى التدخل في شئوننا، فلم يرد عليه أحد إلا ما قاله فضيلة الإمام الأكبر في حوار تلفزيوني مذكرا العالم بتجاهل الفاتيكان لسيلان الدماء العربية تحت نيران الاحتلال الأمريكي والغربي ومؤكدا على أن المسيحية الحقة هي الموجودة في مصر ويقودها نيافة البابا شنودة بطريرك الكرازة المرقسية. فعندما تغيب الدولة يظهر على السطح من يستطيع الدفاع عنها، فإن صلح رده، كما فعل شيخ الأزهر كان بها، وإن طلح أصاب الجميع في مقتل.

يتمسك الكثيرون بأن تكون دولتنا دينية، بينما يعلم هؤلاء أن أفعالهم لا تدل على أقوالهم، فلا أمان ولا عدل ولا خلاق ولا حرمة لجار ولا مصل ولا إعانة لفقير، بينما يكروهون أن نطلق على الدولة المدنية التي تحمي كرامتها و تتعامل مع مواطنيها بالعدل والانصاف وتوفر لهم سبل الأمن على حياتهم ومستقبلهم، بأنها دول مؤمنة، فبأي حديث بعد ما يقع في بلادنا تؤمنون.

[email protected]