أخيراً حان وقت الفطام

عصام جميل

الاثنين, 21 فبراير 2011 10:38
بقلم :عصام جميل

الاستقرار ووحدة الوطن من الأمور التي يحرص عليها كل مصري يحب بلده ويغار عليه ولكن الاستقرار لا يعني الاستمرار ولا يعني الأبدية ولا يعني »التحنيط« فالكل يعرف أن تحنيط الجسد بعد الوفاة كان عادة مصرية قديمة منذ عهد قدماء المصريين الذين كانوا يؤمنون بأن الروح بعد أن تفارق الجسد ستعود إليه يوماً لتعيش الحياة الأبدية.. أما عادة التحنيط الحديثة فهي تتمثل في الإبقاء علي الحكام في مقاعدهم لعقود طويلة من الزمان رغم أن عمرهم الافتراضي قد انتهي ولا أقصد بالعمر الافتراضي ما قد يتبادر إلي الزهن من أنني أخوض في موضوع الحياة والموت وإنما أقصد نهاية العمر الافتراضي لإمكانية عطاء الانسان فمن يبقي علي كرسي الحكم لسنوات طويلة ينتهي به الأمر إلي أنه لا يملك الرغبة في التغيير لأنه توقف عند حد معين من مستوي التفكير لا يتعداه إلا أنه أصبح كالطفل الرضيع الذي ما أن تحين ساعة فطامه حتي يرفض الوضع الجديد ويصر علي أن يبقي علي وضعه إلي أن يجف ثدي الأم من اللبن تماماً في حين أن هناك من يحرم من هذا الحق ولم يصل بعد إلي مرحلة الفطام!!

 

إن أجدادنا بناة الأهرام والمعابد الهائلة وأصحاب العلم »العجيب« لم يورثونا علمهم ولا أسرار حضاراتهم ولا مقومات تفوقهم ومعجزاتهم إنما أورثونا فقط »لعنة الفراعنة« التي التصقت بنا وأقصد بلعنة الفراعنة هو حكم »الفرعون الإله« والاستيلاء علي السلطة والجلوس علي الكرسي والالتصاق به إلي الأبد دون أن يزاحمه أحد ولا يجرؤ أحد علي معارضته ولن تذهب اللعنة مع الفراعنة مثلما ذهبوا بل بقيت تراثاً عزيزاً وحرماً مصوناً يحميه المصريون بالروح والدم وأصبح كل من يجلس علي كرسي الحكم يعتبر أن هذا حقه وحده ومن ممتلكاته الأبدية والتي يحق له أن يورثها بعد أن يترك »عرش الحكم« وبالتالي تحولت المسألة إلي ما يشبه قدراً مرصوداً ختمت به مصائر المحروسة وأهلها وفي ظل هذا القدر في بلد يعتنق أهله حكماً وأمثالاً مثل »المكتوب علي الجبين لازم تشوفه العين« ، »اللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش« ، »امشي جنب الحيط خليك تاكل عيش« أصبحنا لا ندري متي يحين وقت النظام؟ وكيف يتم استئصال الورم الفرعوني الخبيث من جسد الشعب المصري؟ وأين هو الجراح الذي يستطيع أن يجري جراحة مستعصية لفصل التصاق الحاكم بالكرسي والتي

فشل كل الجراحين خلال السنوات السابقة في إجرائها.... انتظرنا طويلاً وطال الانتظار حتي جاء يوم 25 يناير وخرج شباب الثورة إلي ميدان التحرير يطالب بالتغيير وكان الشباب لا يهدف من التغيير إلي ضرب الاستقرار ووحدة الوطن وإنما كان يتطلع إلي مستقبل أفضل لمصر المحروسة التي يحبونها ويعشقونها فحب الوطن هو فرض علي الجميع فالكل في مصر ينشد الاستقرار ويلفظ الفوضي ولكن في نفس الوقت يكرهون الأبدية والتحنيط والتوريث فالتغيير سنة الحياة والدوام هو صفة من صفات الله وحده سبحانه وتعالي دون سواه وإن من كان يزعم من أتباع النظام وأعداء الثورة بأن المطالبة بالتغيير وإسقاط النظام في هذا التوقيت بالذات هو ضرب الاستقرار ووحدة الوطن كان لايسعي في الحقيقة إلي المصلحة العامة للبلد وإنما كان يهدف إلي البقاء علي النظام مستقراً في موقعه أطول فترة ممكنة من أجل تأمين مصالحهم الشخصية أو الهروب بأموالهم إلي الخارج إلا أن شباب الثورة خلال 18 يوماً استطاع أن ينتصر بالضربة القاضية علي النظام وأن ينهي مرحلة الرضاعة الطويلة التي أهلكت صحة الأم طوال 30 عاماً وأن يصر علي عملية الفطام حتي تسترد الأم عافيتها وتبدأ حياتها من جديد كما أن جراحي الثورة قاموا باستئصال أكبر ورم فرعوني لو ترك في الجسد المصري كان سيؤدي إلي الهلاك كما أنهم نجحوا في أول عملية جراحية مصرية تشهدها البلاد من داخل غرفة عمليات التحرير وهي عملية فصل الحاكم عن الكرسي ليتحرر الشعب المصري من الفرعونية المباركية فرعون الأب وفرعون الابن وأعوانهما من الأتباع وأرجوزات النظام الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد وبهذه الثورة البيضاء ينتهي عصر الحاكم بأمره »الفرعون الإله« وعصر الظلم والاستبداد وتكون نهاية هذا النظام الفاسد آية لكل من يأتي من بعده ليجلس علي كرسي الحكم في مصر فيراعي الله في حكمه ولا يظلم العباد »اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية« كما تكون هذه النهاية رسالة لكل من يرغب في حكم مصر ليعلم أن دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلي قيام الساعة وأن الحاكم ليس هو السيد والشعب عبيد بل الشعب هو السيد وعلي الحاكم أن يستجيب فالشعب المصري بعد 25 يناير لم يعد هو الشعب الذي إذا استخف به الحاكم أطاعه بل إذا استخف به الحاكم خلعه..... أظن الرسالة وصلت واتفهمت.

 

[email protected]