رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إشراقات

حكايتى مع الفيتورى

عصام العبيدي

الأربعاء, 29 أبريل 2015 20:29
بقلم: عصام العبيدى

< قبل 25 سنة من الآن.. ذهبت الى الاستاذ عبداللطيف المناوى.. وكان مديرا لمكتب مجلة «المجلة» السعودية بالقاهرة.. وهى التى تصدر عن مؤسسة الشرق الاوسط السعودية.. وقدمت له نفسى قائلاً:

اسمى عصام العبيدى.. وأعمل صحفياً بـ«الوفدى.. وأريد أن أعمل معك فى المجلة لأحسن دخلى.. وليس لدي أى واسطة لك.. إلا عملى.. فيمكن لسيادتك اختبارى!!
< فانبهر الرجل بطريقة تقديمى لنفسى.. وبساطة حالى ومظهرى.. والذى لا يخفى ثقة مفرطة فى النفس!!
< وهنا قدم لى قصاصة صغيرة من الورق.. وقال لى هذا أول وأصعب اختبار..فالشاعر السودانى الكبير محمد الفيتورى.. موجود فى القاهرة.. وسيسافر صباح غد الى لندن.. إذا نجحت فى عمل «حوار» معه.. فأنت معنا من الآن!!
< وهذا هو رقم غرفته فى النيل هيلتون.. ونبهنى الى أن هذا التكليف هو أول اختبار لى.. وجواز عبورى الى المجلة!
< وهنا طلبت الفندق.. وأبلغتهم برقم الغرفة.. وبعد قليل جاءنى صوت شاعرنا الكبير.. وبمجرد أن طلبت منه إجراء الحوار.. حتى قال استحالة يا ابنى.. فيومى كله مشحون.. وسأغادر القاهرة صباح الغد.. وليس لدى دقيقة واحدة لكى امنحها لك.
< وهنا لم أجد بدا من أن أصارحه.. بالتحدى الكبير الذى وضعنى فيه «المناوى».. وأننى فى أشد الاحتياج المادي لهذه الفرصة التاريخية.. وقلت له بلهجة أقرب للتوسل:
«أرجوك لا تضيع منى هذه الفرصة.. وأنا سأكون فى انتظار لقائك حتى لو كان الموعد فجراً.. أو عند منتصف الليل»!!
ففوجئت بالشاعر الإنسان يقول لى بلهجة أبوية حانية.. خلاص نلتقى الساعة الحادية عشرة مساء.. فطرت من الفرح.. وشكرته بحرارة.
< وقبل الموعد المحدد بساعة

كاملة.. كنت أجلس فى استقبال الفندق انتظارا للموعد السحرى، الذى جاءنى كهدية من السماء.. وقبل موعدى بربع ساعة صعدت اليه فى غرفته.. وعاملنى الرجل بإنسانية وكرم ولطف لم أشاهد مثلهم.. إلا عندما تعاملت مع الأديب العالمى نجيب محفوظ.. رحمة الله عليه.
< المهم أننى قضيت فى صحبته حوالى ساعة ونصف الساعة.. وأجريت معه حوارا مطولاً..وكشفت فيه عن أمور كثيرة فى حياته.. ورؤاه فى الشعر والأدب عموما.. وشكرته بكل حب وغادرت الفندق بعد منتصف الليل!
< وخرجت من الفندق.. وأنا أشعر بأننى أحمل بين يدى كنزا غاليا.. وركبت ميكروباص الى سكنى.. الكائن بإحدى المناطق النائية بحلوان.. وتناولت طعامى البسيط.. ولم اذق طعم النوم حتى انتهيت من اعداد الموضوع.. أو «تبييضه» بلغة أهل الصحافة..وبذلت فيه مجهودا خرافيا.. حتى يكون فى أحسن صورة.. أليس هذا الحوار هو جواز عبورى لـ«جنة» المجلة!!
< وما ان طلع النهار.. حتى طرت أسابق الريح لمقابلة الاستاذ المناوى.. والذى اندهش بشدة بمجرد أن سلمته الموضوع..وطالع عناوينه..وعلق بكلمة واحدة.. هايييييل!!
< وكانت هذه الكلمة وكأنها فتحت لى ابواب السماء بعد ذلك..ونشر الحوار على خمس صفحات من المجلة..بالاضافة لصورة كبيرة لشاعرنا العظيم على غلافها..وهنا فوجئت بالمناوى يصرف لى مكافأة تعادل خمسة أضعاف مرتبى الشهرى فى «الوفد».. فطرت من السعادة.. وسرت على قدمي من مقر المجلة بجزيرة العرب فى المهندسين..
حتى جريدتى «الوفد» بالدقى من فرط سعادتى.. ومن ناحية أخرى خوفاً من امتداد يد نشال ابن حلال للثروة التى فى جيبى!!
< بل إن هذا النجاح الذى حققته فى هذا الاختبار.. جعل «المناوى» يعاملنى ماديا معاملة خاصة.. لأنه أدرك دأبى ومجهودى.. وحرصى على التجويد فى عملى.. مما أثار حقد الكثيرين من الزملاء بالمجلة!!
< ومن هنا.. بدأت بينى وبين «المناوى».. علاقة إنسانية لم تنته حتى الآن.. ولعلى الوحيد الذى أنصفته بعد أن تعرض لظلم فادح فى ماسبيرو.. عندما كان يعمل رئيساً لقطاع الأخبار.. وتحديت الجميع من أجل إنصافه.. وقلت فى مقال شهير..لو ان ثوار التحرير..قدروا الخدمة العظيمة التى قدمها عبداللطيف المناوى.. لإنجاح الثورة لأقاموا له تمثالا من ذهب بميدان التحرير.. فقد أذاع البيان الأول للجيش.. والذى أعلن انحياز الجيش للشعب.. وكان بمثابة ضوء أخضر للثوار حتى يتقدموا ويكملوا المشوار.. أذاعه «المناوى» على مسئوليته الشخصية.. دون أن يبلغ عصابة الحكم بمحتواه.. ولما ثاروا عليه ثورة عارمة.. وأرسلوا له قراراً من مبارك بإقالة المشير طنطاوى.. رفض «المناوى» إذاعته.. وسلمه للقوات المسلحة.. فأخفوه.. ويعلم الله لو انحاز «المناوى» لعصابة الحكم وقتها.. لأجهضت الثورة وماتت فى مهدها..خاصة فى وجود شلة الشيطان التى أحاطت بمبارك!
< المهم تمضى الأيام.. ويتقدم بنا العمر.. لكننا أبدا.. لا يمكن أن ننسى أفضال الناس.. ومن قدم لنا يد المساعدة ونحن فى بداية الطريق.. نعانى من قسوة الفقر..وعناء الكفاح.. ووعورة النحت فى الصخر.. حتى أكرمنا الله من وسع فى نهاية المطاف.. وقرب وصول قطار العمر لمحطته الموعودة!
< واليوم.. وأنا أطالع خبر وفاة شاعرنا الكبير.. محمد الفيتورى لا أملك إلا أن أترحم عليه.. وأذكر فضله علي فى اجتياز أصعب اختبار صحفى.. وأنا فتى صغير.. أحبو فى بلاط صاحبة الجلالة.. أتمسك بأهداب الأمل.. وأصارع بشر.. هم الى الوحوش أقرب.. لم يرحموا ضعفنا.. ولا قلة حيلتنا.. ناسين الحكمة التى تقول من لا يرحم.. لا يرحم!!
< رحمك الله أيها الشاعر «الإنسان».. وغفر لنا جميعاً.

[email protected]

ا