رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اشراقات

يا عزيزي.. كلنا مسحولون

عصام العبيدي

الثلاثاء, 05 فبراير 2013 01:43
بقلم - عصام العبيدي

لا تستغرب يا عزيزي.. لا تدع الألم يعتصرك.. والحسرة تصيبك.. وأنت تتابع مشهد سحل المواطن البائس حمادة صابر.. فأنت مثلك مثله.. تتعرض للسحل كل يوم كما سحل حمادة.. تتعرى كل ساعة كما تعرى هو.. نداس بالأقدام والأحذية.. كما تعرض هو.. فلا تندهش.. ولا تمصمص شفاهك وتتحسر.. فحالك لا يختلف عن حاله، وبؤسك لا يقل عن بؤسه فكلنا نهان.. ونتلقى الصفعات كل يوم بل وكل ساعة.

تسحل وتهان وأنت تقف في طابور العيش لساعات طوال من أجل الفوز برغيف عيش لا يكفي لإشباع قطة من قطط الشوارع أو كلب ضال.
تسحل وتهان وأنت تفتش في أكوام الزبالة بحثاً عن كسرة خبز أو كيس به بقايا طعام.. وحتى تفوز به لابد أن تخوض حرباً ضارية مع كلاب الشوارع التي تزاحم في البحث فوق تلال الزبالة.
تسحل وتهان وأنت تلف وتدور حاملاً على كتفيك انبوبة بوتاجاز من أجل الحصول على وجبة فقيرة دافئة.
تسحل وتهان وأنت تقف بالساعات في طوابير البنزين حتى تحصل على لتر بنزين أو سولار.
تسحل وتهان وأنت تقف ذليلاً أمام مواطن عربي مثله مثلك، ومع ذلك شاء حظك العاثر أن تقع أسيراً له بعقد كفالة يرتب له عليك حقوقا أكثر

مما يرتب له حقوقاً عند زوجته!
تسحل وتهان وأنت تذهب كل يوم الى عمل يقودك فيه «شلة» من الجهلاء وعديمي الموهبة، فيفعلون المستحيل من أجل وأد موهبتك، ودفن إبداعك دون أن يراعوا الله وحسابه عن المسئولية، وامانتها.
تسحل وتهان عندما تذهب لتتعامل مع قسم شرطة أو أي مصلحة حكومية فيتعاملون معك باحتقار وازدراء دون أن يدركوا أنهم موظفون لخدمتك ويتقاضون راتبهم منك ومن المواطنين أمثالك.
تسحل وتهان عندما تنتهي من تعليمك وتظل سنوات بلا عمل يناسب مواهبك وتعليمك فينتهي بك الحال بالفرار من جحيم الوطن.. فتصبح وجبة شهية لأسماك البحر والمحيطات.
تسحل وتهان وأنت تركب قطاراً حقيراً بلا مقاعد ولا نوافذ، وفي أقرب طريق يفاجئك عذرائيل ليخطف روحك أنت وأصحابك.. لتختلط اشلاؤكم بصاج القطار وترتوي قضبان الحديد بدمائك.
تسحل وتهان وأشلاؤك توضع في اكياس الزبالة السوداء بعد استخراجها من تحت أنقاض المباني المنهارة.
تسحل وتهان وأنت تعرض ابنتك الصغيرة ذات الضفائر المتدلية على كهل عربي في عمر أجدادها ليتزوجها من أجل بضعة آلاف من الجنيهات الحرام.
تسحل وتهان عندما تتدخل الواسطة لتسرق فرصتك في العمل من أجل عيون «ننوس» عين أمه صاحب تقدير مقبول.
تسحل وتهان عندما تقاتل من أجل الفوز بشقة لا تصلح قبراً.
باختصار كلنا نسحل ونهان كل يوم.. بل في كل ساعة في عملنا.. في شارعنا.. في طعامنا.. حتى في مومتنا ودفنتنا.
فأرجوك لا تندهش لحال حمادة صابر.. فكلنا حمادة صابر.. كلنا هذا الرجل الذي ضرب وتعرى وتكشفت عوراته امام عدسات التلفاز في الدنيا بأكملها.
لا تتعجب يا صديقي مما حدث.. فأنت في بلد لا يحترم الانسان ولا يقدر آدمية البني آدمين.
لا تستغرب بعد أن أدمن حكامنا سرقتنا، ونهب خيراتنا وتركنا نتسول في الطرقات.. لا تستغرب بعد أن نامت ضمائرهم الى الأبد، فلا تتأثر بالدماء، ولا بالكرامة المهدرة.
يا عزيزي لا تتعجب ولا تندهش من تراجع حمادة الصابر في أقواله فمنذ متى كانت - له أو لنا - كرامة بعد أن عاش المسكين حياته في غرفة حقيرة بها خمسة أشخاص بحمام مشترك.. هل من ينشأ في مثل هذا المكان مطلوب منه أن يتحدث عن الكرامة وعزة النفس وهو يتكوم هو وأولاده على سرير خشبي بائس وكنبة لا تكفي الا لاحتواء فرد واحد.. يا اخواني حمادة ليس هو وحده المسحول بل كلنا مسحولون.. كلنا مهانون.. كلنا تنزف كرامتنا كل يوم دماء جديدة حتى تموت للأبد.. فلا كرامة لمواطن في وطن لا يوفر له عملاً مناسباً وسكناً آدمياً، ولقمة عيش تسد رمقه.. صدقوني كلنا حمادة صابر.. وكلنا سحلنا وتعرت عوراتنا.. لا سامح الله حكامنا.