رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إشراقات

مصر.. «ملبوسة»

عصام العبيدي

الاثنين, 12 نوفمبر 2012 22:43
بقلم - عصام العبيدي

وسط الأدخنة المتصاعدة من البخور المغربي.. لم أتبين ملامحه أو شكله أو رسمه جاءني صوته زاعقاً:
< إيه اللي جابك يا ولدي؟
- أمي يا مولانا أصابها المرض حتي أقعدها عن الحركة تماماً، لسانها ثقل وذاكرتها وهنت، وجسدها اعتل، أغثني يا مولانا.

< ما اسمها يا فتي؟
- اسمها «مصر» وكنا ندللها ونسميها «أم الدنيا» أو «المحروسة».
< ما عمرها الآن؟
- عمرها من عمر الأرض ومن عليها من خليقة.
< اوصفها لي يا ولدي؟
- هي أم ليس ككل الأمهات بها نيل «ماؤه كأنهار الجنة» بها بشر قلوبهم صافية كاللبن الحليب.. شعبها متدين لا فرق بين مسلميه ومسيحييه، بها من خيرات الأرض ما يكفي الدنيا ومن فيها، عاشت وقاومت كل محاولات الاختطاف والاغتصاب، هذه أمي يا مولانا.
< اعطني شيئاً من «أترها»؟
- فاخرجت حجراً صغيراً كنت قد جلبته معي أثناء زيارتي الأخيرة للأهرامات فأخذه مني ووضع المزيد من البخور المغربي فتصاعدت أعمدة الدخان الكثيف حتي اختفي من أمامي ولم أعد أراه أو أتبين ملامحه.. وفجأة جاءني صوته متحشرجاً مجهداً:
< يا ولدي أمك ملبوسة؟
- صرخت.. وضربت الأرض بأرجلي وقلت معقولة يا سيدنا الشيخ ده إحنا

لسه أخرجنا منها شيطان رجيم ظل بجسدها ثلاثين عاماً كاملة، أضعف جسدها ونهب خيراتها وجعلها تتضور جوعاً، ولما قرب أجله فكر في توريث ابنه الأصغر حتي يستمر في نهبها ويقضي علي أي أمل لها، فاستعان الوريث بـ «شلة» من الشياطين، عاثوا فيها فساداً وأزلوا رقاب العباد، حتي جاء يوم الخامس والعشرين من يناير وفجأة استردت أمي وعيها، وعادت إليها عافيتها وكأنها شابة في العشرين فأمسكت بالشيطان ووريثه، وأفراد عصابته، ووضعتهم في أقفاص حديدية كحيوانات الغابة ليصبحوا فرجة للعباد، فماذا حدث لها يا مولانا، هل كتب علي أمي الشقاء والحزن والهم.. زي ما بيقولوا «جات الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح».
< يا ولدي لقد تخلصت أمك من عصابة الشيطان الأولي لتهجم عليها عصابة أخري أشد ضراوة وأقسي قلباً، عصابة لها هيئة مختلفة عن الأولي في الشكل والمنظر لحاهم كثيفة، وجلالبيبهم بيضاء، لكن سحنتهم مخيفة لا يبتسمون أبداً.. لا ينظرون إلا لمصالحهم، يعقدون الصفقات الحرام مع الشيطان
من أجل أهدافهم، يتخذون من الدين شعاراً وتجارة لهم، وهم أبعد ما يكونون عن تعاليمه، لم يشاركوا يوماً في خير لأمك بل كانوا دائماً رسل الشيطان وخدمه.
- وما الحل يا مولانا أمي تتخبط.. وجسدها يسيطر عليه الخمول والهمدان وذاكرتها وهنت.. عجزت عن الكلام.. أشعر أنها تتعذب في صمت.. تنظر لي بعيون يائسة تطلب مني الرحمة والعلاج فماذا أفعل يا سيدنا؟
< معذرة يا ولدي.. أنا لا أستطيع علاج أمك، فعصابة الشيطان هذه لا قدرة لي عليها وعلي استخراجها من جسد أمك العليل.
- والحل يا مولانا هل نتركها تموت أمام أعيننا.. والله هذا حرام؟
< الحل يا ولدي في يد أمك نفسها، فهي تحتاج إلي هبة جديدة، ثورة جديدة تقتلع بها عصابة الشيطان التي تلبستها، أرجوك يا ولدي لا تتوقف عن محاولة انعاشها.. ذكرها بتاريخها.. كرر علي أسماعها بطولاتها في القضاء علي كل من تجرأ عليها وحاول استعمارها، من إنجليز.. وفرنسيين، حتي الفاطميين، الذين عجزوا طوال 300 عام عن تغيير هويتها الدينية، ذكرها بإمكانياتها، بثرواتها، بخيراتها، كل ذلك يا ولدي ممكن أن يدب الحياة والقوة في نفسها حتي تقوم، وتنهض لتتخلص من العصابة الجديدة التي احتلت سكنها متخذة من الدين تجارة ومن الشريعة وسيلة لتحقيق أهدافهم في السيطرة والتمكين، لا تنتظر يا ولدي معجزات السماء.. فزمن المعجزات ولي وأدبر ولا حل إلا بيد أمك، فساعدها ولا تتنكر لها ولا تتركها فريسة لعصابة الشياطين الجدد.