رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هذا وقت ترشيد المخاطر

بقلم: عبد المنعم مصطفى

 

اسمه طلبة، عمره نحو خمسة وثلاثين عاماً.. عامل بوفيه من إحدى قرى دلتا النيل في مصر، يحمل شهادة دبلوم التجارةً، متزوج، لم يتوقع في أي وقت أن تحدث ثورة في مصر على النحو الذي رأه العالم. يقول طلبة ببساطة :” لو استمرت الأمور على ما هي عليه كنا سنستيقظ ذات صباح لنجد جمال مبارك رئيساً شاء من شاء وأبى من أبى.. لكن الثورة جاءت والحمد لله فوضعتنا جميعا عند بداية جديدة طال انتظارها” و لا تساور طلبة أي مخاوف بشأن المستقبل، فهو يعتبر أن القلاقل التي تعانيها بلاده “طبيعية” لأن هذه طبيعة المرحلة “الانتقالية” على حد قوله، و لا مكان للمخاوف عند طلبة فالمستقبل بيد الله، وهو يتوقع أن يعود الاستقرار إلى البلاد “على أسس سليمة” خلال عامين على الأكثر “بعد ان نجتاز مرحلة الانتخابات برلمانية ورئاسية ويصبح لدينا دستور جديد “محترم” على حد قوله.

كلام طلبة قد يبدو مخالفا لما تبديه النخبة المثقفة من مخاوف، وهذا طبيعي، فالناس تخاف بمقدار وعيها، وكلما ارتفع مستوى الوعي ارتفع معه مؤشر القلق والخوف، لكن طلبة بفطرته النقية ربما لا يدري أنه يختزن داخله حكمة سبعة آلاف سنة من عمر أول دولة مركزية فوق هذا الكوكب، وربما لا يعرف كذلك أن أول ثورة شعبية رصدها التاريخ قام بها مصريون أيضا قبل أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام للإطاحة بحكم الفرعون بيبي الثاني أحد ملوك الأسرة السادسة الذي حكم البلاد قرابة أربعة وتسعين عاماً أسلمها بعدها للفوضى.

الفارق بين طلبة عامل البوفيه، وبين المذيعة اللامعة منى الشاذلي قد يبدو كبيراً، لكنها كانت تبدو خائفة وقلقة في إحدى حلقات برنامجها الشهير “العاشرة مساءً”، وهى تسأل ضيوفها وفيهم الأديب يوسف القعيد الذي بدا خائفا بدوره، عن حالة القلق والمخاوف الأمنية والسياسية التي يعيشها

المصريون، في مرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك. والتي حملت معها فوضى بلغت حد محاولة البعض تطبيق “قانونهم بأيديهم”، فضلا عن قوائم اغتيالات جرى الترويج لها وشملت بين من شملت اسماء مثل الدكتور محمد البرادعي و الأديب علاء الأسواني، والمذيعة اللامعة منى الشاذلي ذاتها.

مخاوف “الشاذلي” مشروعة ومفهومة، واطمئنان “طلبة” هو أيضا مفهوم ومشروع، لكن الخوف الإنساني الطبيعي في الفترات الانتقالية بحياة الشعوب، في أعقاب الثورات والتحولات الكبرى، يحتاج الى بعض المعالجة، فما شهدته مصر منذ 25 يناير الماضي ربما كان أول ثورة شعبية منذ ثورة المصريين ضد الملك بيبي الثاني قبل خمسة وأربعين قرناً من الزمان، أي أن الخبرات الثقافية والنفسية في التعامل مع التحولات الكبرى، تكاد تكون غائبة، ثم إن غياب رأس للثورة التي أطاحت بنظام مبارك، قد ساهم في تعظيم المخاوف لدى الناس، الذين اعتادوا أن يجدوا من يأخذ بيدهم عند منعطفات التاريخ، فلما تنحى الرئيس السابق مبارك فوجئوا بأن عليهم الاختيار بين أكثر من ألف رأس جاء بعضها من ميدان التحرير، فيما قفز بعضها من فوق الميدان متطلعا إلى فرصة، أو طالبا لشهرة أو منصب .

أول ما ينبغي ملاحظته هو ضرورة التعامل بـ “إيجابية” مع مخاوف المصريين في اللحظة الراهنة، فالخوف طبيعي وهو أيضا مفيد، وأول سمات الخوف الراهن هو أنه (خوف على....) أكثر من كونه (خوفا من....)، فالذين خرجوا الى ميدان التحرير صبيحة الخامس والعشرين من يناير كانوا قد ودعوا الخوف، وإلا لما خرجوا بصدروهم العارية في مواجهة آلة القمع الجبارة لجهاز أمن

الدولة السيئ السمعة، لكنهم امتلكوا في اللحظة التالية “خوفا إيجابيا” هو الخوف على “الأمل” الذي ولدته الثورة. هذا الخوف على الأمل هو التفسير الحقيقي لما قد يراه البعض - وربما كان معهم بعض الحق- تهديدا خطيراً لسلامة ووحدة وطن، فالثورة قامت لإسقاط نظام وليس لإسقاط دولة، وهذا أكثر ما يخيف غالبية النخبة المثقفة المصرية، لكن الوعي الفطري المصري ولعل “طلبة” نموذجاً له، قد يكون مصدر طمأنينة، لأن لدى أقدم شعوب الأرض ما يكفي من الوعي لحماية أقدم دولة مركزية على الأرض، ولأن لدى مثقفي هذا البلد ما يتيح إدارة المخاوف وترشيدها لحساب بناء مؤسسات دولة عصرية، طرق شعبها أبواب التاريخ بقوة ليلحق بركب العصر .

إدارة المخاوف أو ترشيدها عملية ينبغي أن تنهض بها كافة مؤسسات المجتمع، مدنية، وسياسية، وأمنية، لتقود في النهاية الى إعادة مؤسسة الدولة المصرية، بما يحمل الطمأنينة الى الناس، ويقدم النموذج للكافة حول إمكانية بناء دولة عصرية في منطقة الشرق الأوسط، التي جرى تصنيفها على مدى قرون طويلة بأنها منطقة خارج السياق. لكن ثمة حاجة ملحة الى إدراك حقيقتين مهمتين :

الأولى: أن تحقيق الاستقرار وإرساء النموذج سوف يقتضي وقتاً قد يطول. لأن الثورة ببساطة كان لديها مشروع واحد للهدم يرعاه الجميع، وبات لديها عشرات المشاريع للبناء ينقسم الجميع حولها . فضلا عن أن البناء بطبيعته يقتضي وقتا أطول بكثير من الهدم.

والثانية: أن الفترة الانتقالية سوف تشهد بالضرورة انتكاسات وتراجعات ومخاوف، لن يحد منها سوى تماسك مؤسسات المجتمع ووعي المؤسسة العسكرية بدورها الحيوي في ضبط الإيقاع وتأمين فعالية الحركة السياسية، باتجاه إنجاز مشروع مؤسسة الدولة.

ما يحدث فوق الخارطة العربية من المحيط الى الخليج، يعني أن الوجع واحد .. والحلم واحد.. لكن الدواء بالضرورة ليس واحداً، والتأويل بالضرورة ليس متطابقاً، ومع ذلك فإن ما نراه في مصر وفي تونس وفي ليبيا واليمن وسوريا هو في مجمله مخاض عسير لميلاد الدولة الحديثة، يخفف منه ويعجل بسلامة نتائجه، أن ينجح بعض أطرافه في صياغة نموذج سلمي وعلمي ومنهجي يمكن الاقتباس منه أو البناء عليه، بعيداً عن التجربة والخطأ، أو عن محاولة محاكاة نماذج بعيدة عنا بالثقافة وبالروح وبالفكر، وهنا تكمن أهمية التجربة المصرية، بكل ما فيها من مخاوف لدى الشاذلي وآمال لدى طلبة.