صواريخ

الدستور قبل الرئيس والشعارات

بقلم : عبدالعزيز النحاس

احتدم الصراع على كرسى الرئاسة فى مصر، واشتدت المنافسة بين المرشحين إلى درجة الإسراف فى الوعود، وكشفت المناظرات والمواجهات الإعلامية عن تخلى البعض عن أفكاره ومبادئه - مؤقتاً - وأمسك البعض الآخر بالعصا من المنتصف

بغض النظر عن قدراتهم فى مواجهة الواقع المتخم بمشاكل الملايين.
صحيح هى أول تجربة حقيقية لانتخاب رئيس الجمهورية كأول ثمار ثورة 25 يناير، وهو حدث تاريخى بكل المقاييس جذب انتباه ومتابعة عامة الشعب المصرى والشعوب العربية والعالمية، على اعتبار أن مستقبل مصر السياسى له تأثير على المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.. ورغم أهمية هذا الحدث التاريخى جاءت المناظرات والمواجهات الإعلامية أقل من الحدث لأسباب كثيرة يأتى على رأسها وسائل الإعلام ذاتها التى أفرطت فى إظهار الحيادية، مما أفقد هذه المواجهات أحد أهم عناصرها وهى الوصول إلى الحقيقة، وكشف أساليب الخداع لبعض المرشحين الذين تهربوا من بعض الإجابات، أو أعلنوا أشياء غير حقيقية، ولم يتدخل المحاورون تحت مزاعم الحياد أو ضيق الوقت، فى حين أن العامة يعلمون أن ما جاء على ألسنة البعض غير حقيقى ويشكل مجرد دعاية انتخابية.
أيضاً أسهب المرشحون فى الوعود والحلول النظرية والكلام الإنشائى إلى حد تسطيح المشاكل الضخمة التى تعانى منها مصر دون أن تجد تركيزاً على قضية واحدة بالتفاصيل الدقيقة كدليل على قدرة المرشح لتنفيذ برنامجه الانتخابي، وهو أمر جعل معظم برامج المرشحين متشابهة، وتتحدث عن رؤى لمشاريع عملاقة فى الاقتصاد

والتعليم والصحة وغيرها، وكلها دراسات وأفكار وأحلام لخبراء، دون أن نعرف كيفية تحقيق وتمويل هذه المشروعات، وفى وقت نرى فيه الأغلبية البرلمانية فى مجلس الشعب للإخوان المسلمين والسلفيين ترفض قيام مصر بالحصول على قرض من البنك الدولى لتمويل واستكمال مشروعات الصرف الصحى المتوقفة فى معظم أنحاء مصر بدعوى أنه ربا، وهى مشكلة واحدة من مئات وآلاف المشاكل التى تواجه المصريين فى كل مكان وجميعها تحتاج تمويلات ضخمة.
بعيداً عن الشعارات الرنانة والخطب الثورية التى رفعها مرشحو الرئاسة للوصول إلى كرسى الحكم، هناك قواعد وأسس عامة كان لابد من حسمها قبل إجراء انتخابات الرئاسة، يأتى على رأسها قضية الدستور المصرى الذى يشكل الضمانة الأساسية لمستقبل هذه الأمة سواء على المستوى الداخلى فى تحديد شكل وهوية الدولة وترسيخ الحريات وحقوق الإنسان، وتحديد مدد وصلاحيات رئيس الجمهورية ونظام الدولة واختصاصات سلطاتها بما يؤكد الانتقال للديمقراطية الحقيقية.. أو على المستوى الخارجى فى رسالة واضحة إلى العالم أن مصر تنتقل إلى الجمهورية الثانية بدستور مدنى حديث يحافظ على هوية الدولة واستقرارها وتماسكها، بغض النظر عن اسم الرئيس ومعتقداته، وبغض النظر أيضاً عن الأغلبية البرلمانية على اعتبار أنها جميعاً من المفترض أن تعمل من خلال دستور محدد لدولة مؤسسات وليس أشخاص واتجاهات دينية أو عرقية، وأن مصر أكبر من الأشخاص والتيارات التى يمكن أن تتغير فى أى وقت.. بينما تبقى مصر المؤسسات قائمة ومتحركة ومتجددة.