رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

ليلة‮.. ‬كل المصريين

عباس الطرابيلى

السبت, 08 يناير 2011 07:45
بقلم : عباس الطرابيلي

هي‮ ‬ليلة توحد فيها كل المصريين‮.. ‬لم نعشها من قبل‮.. ‬ولكن بالقطع عاشها اجدادنا آباؤنا الكبار أيام ثورة‮ ‬19‮ ‬تلك الثورة العظيمة التي‮ ‬أكدت وحدة كل الشعب‮.. ‬أيام صعد فيها القس والكهنة فوق منابر المساجد ودخل فيها شيوخ الدين الإسلامي‮ ‬إلي‮ ‬الكنائس‮.. ‬الكل‮ ‬يتكلم عن رب واحد‮.. ‬لشعب واحد‮.. ‬أيام لم‮ ‬يفرق فيها رصاص الانجليز بين مسلم ومسيحي‮..‬

وهذه الأيام‮ - ‬أيضا‮ - ‬لم‮ ‬يفرق الارهاب بين مسيحي‮ ‬ومسلم فحصد من هؤلاء وقتل وجرح من هؤلاء‮.‬

حقا‮ ‬ً‮ ‬هي‮ ‬ليلة مصرية‮.. ‬توحد فيها كل قنوات التليفزيون‮.. ‬رغم اختلاف المشارب وتنوع الاتجاهات‮.. ‬الا في‮ ‬الوطن ومصير الوطن‮..‬

ولقد جلست وزوجتي‮ ‬نقلب بين القنوات‮.. ‬مساء الخميس ورأينا شيئاً‮ ‬عجباً‮.. ‬الكل في‮ ‬واحد‮.. ‬وأخذنا نتابع صلوات اخوتنا المسيحيين بشوق عظيم‮.. ‬وهزتنا الصلوات‮.. ‬وشدتنا كلمات رب العائلة المسيحية البابا شنودة‮.. ‬شدتنا حكمته‮.. ‬وحنكته،‮ ‬والهدوء والجلال والسكينة التي‮ ‬تغلف روح الرجل الكبير وتعجبت‮: ‬هل هو البابا شنودة الثالث‮.. ‬أم الاخ الكبير نظير جيد‮.. ‬ام هو المصري‮ ‬الذي‮ ‬تعلم من جامعة كل المصريين‮.. ‬مع باقي‮ ‬المصريين‮.. ‬ولكنني‮ ‬أقول‮: ‬هو كل هذا الوالد الاكبر للإخوة المسيحيين‮.. ‬كما شيخ الازهر هو الوالد الاكبر لكل المسلمين‮..‬

‮** ‬وأمسكت بالتليفون‮.. ‬أطلب اصدقائي‮ ‬وجيراني‮ ‬واحبائي‮ ‬من المسيحيين‮.. ‬ألقي‮ ‬عليهم تحية العيد‮.. ‬عيد ميلاد المسيح‮.. ‬العيد المجيد‮.. ‬وقبل أن ترد جارتي‮ ‬المسيحية تحية العيد‮.. ‬قالت بعفوية محببة‮: ‬تعالوا اتعشوا معانا‮.. ‬هكذا نحن كل المصريين نأكل طعاماً‮ ‬واحداً‮.. ‬ونلبس رداءً‮ ‬واحداً‮.. ‬لم نعرف‮ ‬يوما طعاماً‮ ‬مسلماً‮ ‬وطعاماً‮ ‬مسيحياً‮.. ‬ولطالما داعبت زوجتي‮ ‬قائلاً‮: ‬تعرفي‮ ‬تعملي‮ ‬دقية بامية زي‮ ‬جارتنا‮.. ‬واللا‮ »‬طشة‮« ‬تقلية

الملوخية‮.. ‬كلنا نأكل من وعاء واحد‮.. ‬طعاماً‮ ‬واحداً‮ ‬من الاف السنين‮.. ‬وقبل الاديان بالاف السنين‮.. ‬لم نكن نسأل‮: ‬انت مسلم أم مسيحي‮ ‬الديانة‮.. ‬كنت اجلس بمدرسة دمياط الثانوية بجوار ابن عمي‮: ‬دون طرابولي‮ ‬ويحتار المدرس أينا‮ ‬يسأل‮: ‬فكان‮ ‬يحسم أمره قائلاً‮: ‬ياسيدي‮ ‬قوم انت ام هو‮.. ‬طرابولي‮ ‬أم طرابيلي‮ ‬والفرق بيننا هو حرف واحد الياء في‮ ‬طرابيلي‮ ‬تقلب واواً‮ ‬في‮ ‬طرابولي‮.. ‬نلعب معاً‮.. ‬ندخل مطعم المدرسة معاً‮.. ‬ونجلس أمام طاولة الامتحان معاً‮.. ‬ونذهب إلي‮ ‬حصة الموسيقي‮ ‬والاناشيد معاً‮ ‬لنصنع وجداننا معا ويتشكل انتماؤنا معاً‮..‬

‮** ‬وكنا نخرج في‮ ‬المظاهرات معاً‮.. ‬يدا بيد‮.. ‬وقلبا مع قلب نهتف نحن المسلم والمسيحي‮ ‬في‮ ‬المظاهرات ضد وزير خارجية انجلترا المسيحي‮.. ‬سواء كان اسمه بيفين‮.. ‬أم هندرسون‮.. ‬أو هربرت هاو،‮ ‬حاكم عام السودان الانجليزي‮ ‬رفعنا له رأس كلب تحقيراً‮ ‬له لسوء سياسته مع الاخوة السودانيين‮.. ‬ولا نتذكر من منا كان‮ ‬يحمل دمية رأس الكلب اكان طالبا مسلما أم مسيحيا‮.. ‬هكذا كنا‮.. ‬وهكذا سوف نستمر‮..‬

تذكرت كل ذلك وأنا اتصل باخوتي‮ ‬المسيحيين مساء أمس الاول،‮ ‬ليلة عيد الميلاد المجيد أهنأهم بالعيد‮..‬

واتذكر موقفاً‮ ‬لي‮ ‬شخصياً‮.. ‬كنت طفلاً‮ ‬دون السابعة من عمري‮.. ‬وكان بيتنا بدمياط الذاهب إلي‮ ‬الكنيسة‮.. ‬والذاهب إلي‮ ‬المسجد‮.. ‬فقد كان بيتنا بشارع البوسطي‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬الاثنين معاً‮.. ‬وكنوع من شقاوة العيال وقفنا نهتف ونستقبل كهنة وقسيس الكنيسة

قائلين‮: ‬يا قسيس‮ ‬يا قسيس‮.. ‬وسمع أبي‮ ‬صوتي‮.. ‬فخرج من البيت وبيده الثقيلة التي‮ ‬أعرف وزنها تماماً‮ ‬لطمني‮ ‬علي‮ ‬وجهي‮ ‬وهو‮ ‬يشخط في‮: ‬يا كلب عمك القسيس هو بالظبط مثل شيخ المسجد،‮ ‬مسجد الشيخ أطعن‮.. ‬أتعرفون ما حدث‮.. ‬وجدت القسيس‮ ‬يسرع الينا‮.. ‬ويحتضنني‮ ‬ليحميني‮ ‬من لطمات أبي‮ ‬وهو‮ ‬يقول‮: ‬لعب عيال‮ ‬يا حاج‮.. ‬أي‮ ‬كان هذا القسيس هو الذي‮ ‬يحميني‮ ‬من‮.. ‬أبي‮ ‬

‮** ‬وأقول رب ضارة نافعة‮.. ‬والضربة التي‮ ‬لا تقتل تقوي‮ ‬الجسد وهذا بالضبط ما حدث بعد ليلة الاسكندرية الدامية‮.. ‬فقد اكتشفنا ان مصر هي‮ ‬المستهدفة بهذا العدوان‮.. ‬ولم‮ ‬يكن ما حدث احد مظاهر الفتنة الطائفية‮.. ‬بل هو موجه ضد مصر،‮ ‬وضد كل المصريين‮..‬

وما حدث‮ - ‬امس الأول‮ - ‬كان ليلة من ليالي‮ ‬مصر العظيمة‮.. ‬ما حدث مساء الخميس كشفه ما حدث مساء الخميس التالي،‮ ‬مصر كلها عبرت عنها كل القنوات التليفزيونية‮: ‬حكومية وخاصة‮.. ‬سواء المملوكة لمصريين مسلمين،‮ ‬أو تلك المملوكة لمصريين مسيحيين‮.. ‬الكل اكتشف أن الهدف هو ضرب مصر في‮ ‬مقتل‮.. ‬وتنبه الكل لهذا الخطر وتوحد الكل في‮ ‬واحد،‮ ‬وتلك من طبيعة وسلوك كل المصريين‮.‬

لقد احسسنا جميعاً‮ ‬بالخطر الذي‮ ‬لن‮ ‬يرحم مسلماً‮ ‬أو مسيحياً‮ ‬فامتدت ايدينا جميعا ترد الطعنة‮.. ‬بل تتلقي‮ ‬الطعنة‮.. ‬اذ كفي‮ ‬ما تلقاه الجسد المصري‮ ‬والعقل المصري‮ ‬من طعنات‮..‬

‮** ‬اننا ونحن نصفق للفنان هاني‮ ‬رمزي‮ ‬في‮ ‬فيلمه‮ »‬عايز حقي‮« ‬لم نسأل‮: ‬أهو فنان مسلم أو مسيحي‮.. ‬وعندما عشقنا الفنان لطفي‮ ‬لبيب وهو‮ ‬يجسد دور السفير الاسرائىلي‮ ‬في‮ ‬فيلم السفارة في‮ ‬العمارة لم نعرف هل هو فنان مسلم‮.. ‬أم مبدع مسيحي‮.. ‬وعندما شدنا نجيب الريحاني‮ ‬لم ننجذب نحوه لانه مسيحي‮.. ‬أو لان بعضنا اعتقد انه مسلم‮..‬

كل هؤلاء‮ - ‬وغيرهم‮ - ‬هاني‮ ‬شنودة وهالة صدقي‮ ‬واللا المبدعة الرائعة الراحلة سناء جميل في‮ ‬افضل ادوارها زوجة العمدة في‮ ‬فيلم الزوجة الثانية وهي‮ ‬تصر أمام زوجها‮: ‬الليلة‮ ‬يا عمدة‮!!‬

‮** ‬ليلة امس الأول توحدت مصر داخل كنائسها‮.. ‬كما توحدت قنواتها الفضائية والارضية‮..‬

كانت ليلة لكل المصريين‮..‬