رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

ليتهم أضربوا.. من أجل التعليم!!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 23 سبتمبر 2011 10:05
بقلم : عباس الطرابيلي

بداية.. أقر وأعترف، وأقسم أنني مع حق الإضراب.. لأنه حق في إبداء الرأي.. الذي هو دعوة للإصلاح.. وبدون الاضراب لا تستقيم عملية الرأي.. والرأي الآخر، التي هي من عمد الديمقراطية.

ولكن عندما يتعارض مبدأ الاضراب مع المصلحة العامة للوطن.. هنا يكون لنا موقف آخر.. وفي رأيي ان اضراب المعلمين هو من هذا الموقف الآخر لأنه يتم دون النظر لمصلحة الوطن.. خصوصاً في هذا الوقت بالذات.

والمعلمون يضربون من أجل تغيير أوضاعهم المالية. وتحسين رواتبهم.. حتي يستطيعوا القيام بعملهم، كما يجب. ولكن من أين تدبر الدولة لهم كل هذه المطالب دفعة واحدة.. خصوصاً انها تتكلف الكثير، والكثير جدا من الأموال. وهو شيء فوق طاقة الحكومة.. بل والدولة ذاتها.

ونعترف أن رواتب المعلمين- لا توفر لحصة كبيرة منهم- الحد الأدني الذي يحلم به كل معلم.. ولكن هل نسينا كارثة الدروس الخصوصية التي تستنزف دخول الأسر كلها بلا أي تمييز.

** وأتصور نسبة كبيرة من المعلمين يحصلون علي دخل ولا رجال الأعمال الكبار.. ولقد سمعت أن منهم من يحصل علي 5000 جنيه دخلا في الساعة الواحدة- خصوصا معلمي اللغة الانجليزية- من حصة واحدة في أي سنتر من «السناتر» التي يتلقي فيها طلبة الثانوية العامة دروسهم إذ عدد الطلبة في الفصل الواحد لا يقل عن 100 يدفع الواحد أو الواحدة 50 جنيها.. ولا نريد أن نحسب كم عدد الحصص التي يحضرها المدرس الواحد يومياً..

وقد يقول قائل «وهل كل المعلمين هم من معلمي اللغة

الانجليزية؟» ونرد قائلين.. ومنهم مدرسو الرياضيات والفيزياء واللغات العربية والفرنسية والألمانية.. بل والتاريخ والجغرافيا. ولم يعد باقياً إلا مدرسو التربية الفنية والرياضية. ويقول البعض وماذا عن مدرسي الابتدائي والاعدادي.. ونقول: وهل ينكر أب أن كثيرا من هؤلاء يتعاطون الدروس الخصوصية أيضا.. أي أن النسبة الأكبر من المعلمين يستفيدون من هذه الدروس..

** ورغم ذلك فإن من حقهم تحسين أوضاعهم.. ولكن ليس الآن..

نقول ليس الآن.. فالخزانة العامة شبه خاوية.. ولكن المعلمين شأنهم شأن كل ذوي المطالب يرون أنهم إذا لم يحصلوا علي مرادهم الآن فلن يحصلوا عليها أبدًا.. الآن وليس بعد الآن، هو المبدأ. وهو أساس تحرك كل الفئات التي تعتصم وتضرب لتنال حقوقها.. وكم أتمني أن يقولوا لنا- كلهم- من أين يمكن أن تدبر الدولة هذه المطالب.. وهي كثيرة..

ولقد اختار المعلمون وقتاً شديد الاحراج.. هو بداية العام الدراسي الجديد.. وهو توقيت مريب.. وكأنهم يقولون للمجتمع: إما مطالبنا.. وإما لا دراسة ولا مدارس ولا يحزنون..

** هنا نقول: بل يحزنون!! فماذا يعطي المدرس في الفصل.. وكلنا نعرف أن النسبة الأكبر لا تعطي شيئا.. خصوصاً في الصفوف النهائية لأن المدرس يذهب إلي المدرسة في الصباح وهو غير قادر علي فتح عينيه!! من طول السهر إما في «السناتر» وهي كلمة تعني

«مركز» ويقصدون بها مركز تلقي الدروس الخصوصية ودخلت قاموسنا بشكل مكثف.. وإما في منازل المدرسين.. أو في الشقق الخاصة التي يستأجرها البعض لاستقبال الطلبة.. أي حولوها إلي مدارس خاصة ولكن من نوع جديد.. ويستمر المدرس هكذا من الساعة الثالثة عصراً إلي الثالثة فجرًا، وصدقوني هذا ما يحدث.. حتي في القري!!

** ورغم كل ذلك مازلت أري ضرورة احترام حق الاضراب.. ولكنني في الوقت نفسه كنت أتمني أن يضرب المعلمون وأن يعتصموا مطالبين بتطوير التعليم لتعود للتعليم الحكومي هيبته.. ويعود للمدرس ووفاؤه لعمله واحترامه.. وكم كان كل جيلي يحترم المعلم، الذي كدنا نعامله كرسول.. ومازلت أحن لكل المدرسين الذين درسوا لي من المدرسة الأولية «الإلزامية» ثم الابتدائية.. والثانوية بل مازلت أحفظ كل أسمائهم حباً لهم علي ما قدموه لي ولكل جيلي..

وأتذكر منهم من كان يصعد بكل الطلبة- كل فصل بفصله- حيث الهواء الطلق في شهور الصيف ليعيدوا علينا كل الدروس التي تلقيناها طوال الشتاء.. ويظلوا يعيدون علينا الدرس واحدًا وراء الآخر.. بل وعندي كثير من الصور التي سجلت فيها كل ذلك عام 1956.

ولكنه كان أمرًا آخر.. فقد كنا في عصر كان مرتب المدرس الجامعي وقتها 15 جنيها يخصم منه جنيه ونصف الجنيه ضريبة دخل.. ورحم الله الأستاذ أحمد أبوطالب مدرس الفرنسية والفلسفة وهو يسخر من راتبه.. ويقول: كل ذلك.. مقابل 13 ملطوشاً يا أعزائي الأجلاء.. وكان ينطق ذلك بلغة عربية رصينة!!

** حقاً نحن الآن بحاجة إلي اضراب وإلي اعتصام ولكن من أجل تطوير التعليم.. ليتلقي الطالب ما يحتاجه في الفصل الحكومي.. دون أي دروس خصوصية، لأننا- زمان- كنا في عصر نقول إن الدروس الخصوصية عيب.. بل وحرام..

الآن أصبح العيب والحرام نصيب من يذهب إلي المدرسة الحكومية.

ولكن نقول: نحن في عصر العجائب.. وكم فيك يا مصر من الغرائب..

** و.. ليتهم اضربوا من أجل تحسين التعليم.