هموم مصرية

السكان.. مشروع قومي للتنمية

بقلم - عباس الطرابيلي



تختلف الآراء حول تزايد عدد سكان أي دولة. البعض يرى أن هذه الزيادة تمثل مشكلة أمام أي تنمية.. نظراً لحاجتهم إلي الخدمات من مساكن وعلاج وتعليم وغذاء.. ومياه وكهرباء وطرق وغيرها..

بينما يري البعض أن تزايد السكان ثروة لو أحسنوا  استخدامها وإدارتها وتنميتها.. لتقدمت الدولة وزادت ثروتها.. وفي مصر عندنا يري البعض أن هذه الزيادة  مشكلة.. بل كارثة. ولهذا نادت الدولة بضرورة تحديد النسل، أو علي الأقل تنظيمه.. وانطلقت الدولة تشجع هذه المشروعات من توفير  حبوب منع الحمل.. إلي اللوالب.. إلي حملات إعلانية مثل حسنين ومحمدين.. حتي تستطيع الدولة توفير الحد الأدني  للسكان الجدد.. بل كانت الدولة تعلن كل عام عن تزايد معدل الإنجاب عندنا.. واننا نلد كل صباح كذا مولود جديد.. بينما هناك من الدول من «تلد شعباً.. كل عام!!».
<< وعندنا الهند التي شجعت تحديد النسل كانت تقدم معوناتها فقط للطفلين  الأول والثاني.. وكذلك فعلت الصين.. ورغم كل هذه السياسات يصل عدد سكان الهند إلي 1300 مليون شخص.. ويصل عدد سكان الصين إلي 1450 مليوناً..
ولكن هذه وتلك نجحت في تحويل هذه الزيادة من مصدر للفقر والجوع إلي مصدر للقوة والنماء.. والعظمة كمان!! فالهند بحسن إدارتها لثروتها البشرية تحولت من دولة مستهلكة مستوردة للكثير  من المنتجات، وبالذات المنتجات الغذائية، إلي دولة مصدرة للكثير من هذه المحاصيل

وغيرها.. وهي الآن واحدة من أكبر القوي السياسية والزراعية والصناعية في آسيا.. رغم أنها ظلت تحت الاحتلال قروناً طويلة.. ولم تحصل علي استقلالها إلا عام 1947..
<< أما المثال الأكثر بروزاً فهو الصين التي لم يكن شعبها يجد ما يأكله بل كان الصيني يأكل كل شيء يتحرك: تحت الأرض.. وفوق الأرض وكم من ملايين ماتوا في الصين جوعاً، أي في المجاعات. ومازلت أتذكر رواية «الأرض الطيبة» للكاتبة الأمريكية بيرل باك التي تصف حال الشعب الصيني وعصور المجاعات..
ولكن الصين ومنذ بدأ  زعيمها الأشهر ماو تسي تونج مسيرته الكبري في أواخر الأربعينيات واستطاع أن يقفز بثورته بهذا الشعب من الجوع إلي الشبع، بحسن إدارة ـ ومعه رئيس وزرائه شو ابن لاي ـ للصين.. ولهذا العدد الرهيب من البشر..
<< وخلال حوالي نصف قرن بعد استقرار الثورة الصينية في أوائل الخمسينيات قفزت الصين إلي المقدمة.. وفي كل شيء.. حتي انها احتلت هذا العام المركز الثاني ـ بعد الولايات المتحدة. والمركز الأول في آسيا.. أي أن الاقتصاد الصيني يتفوق لأنحتي علي الاقتصاد الألماني والاقتصاد اليابانى. بل إن الصين تستثمر الآن عشرات تريليونات الدولارات في
الولايات المتحدة بل هي أكبر مستثمر خارجي في أمريكا وأموالها هي أكبر داعم لأذون الخزانة الأمريكية.. كما أنها هذا العام أصبحت ثاني أكبر مصدر للأسلحة ـ بعد الولايات المتحدةـ انتزعت هذا المركز من روسيا وألمانيا وفرنسا..
<< وأصبحنا نجد منتجات الصين في كل مكان. وهي قادرة علي انتاج أي سلعة بمستويات متعددة يعني حتي لعبة الأطفال يمكنها أن تنتجها الواحدة بسعر 5 دولارات.. وأيضاً تنتجها بسعر 50 دولاراً.. ولهذا نشتري المنتجات الصينية الأكثر جودة من داخل الولايات المتحدة.. وبأقل جودة في أوروبا.. ثم درجة ثالثة في الأسواق الخليجية.. أما المنتجات الصينية في الأسواق المصرية فهي من الدرجة العاشرة.. وكله صيني!! وإذا كنا ـ في الماضي ـ نتندر علي تدني منتجات تايوان بأنها «ياعم دي تايواني» فإن الصين، وهي الدولة الأم لتايوان هذه تطبق نفس السياسة أي تنتج أي سلعة وكل سلعة بمستويات عديدة..
<< ونحن في مصر، وفي معظم العالم الاسلامي، نستورد معظم مستلزمات الحج والعمرة والصلاة من سجاد الصلاة وملابس الاحرام والسبح.. وطاقية الرأس  البيضاء والشبشب والخف.. وحتي فانوس رمضان .. كل ذلك وأكثر نستورده من هناك.. من الصين.
وقد تحقق كل هذا النمو ـ في الصين مثلاً ـ بفضل حسن استغلال وتشغيل وإدارة  القوي البشرية الهائلة من حسن تنظيم كل ذلك بمهارة غريبة.. وبذلك تحول العدد الهائل من السكان من مركز ضعف إلي مركز قوة.. ومركز للانتاج والتقدم والتنمية.. وكل ذلك في نصف قرن.
<< نحن نملك القدرة أيضاً علي حسن استخدام عدد سكاننا.. فهل يمكن أن يتحول هذا العدد إلي مشروع قومي للتنمية والتقدم.. هل يمكن أن تؤدي وزارة السكان هذا الدور التنموي؟..أتمني ذلك ومعي كل المصريين يتمنون!
 

 

ا