هموم مصرية

سد النهضة.. والاستراتيجية الهادئة

عباس الطرابيلى

الجمعة, 20 مارس 2015 20:06
بقلم : عباس الطرابيلى

ساعات ويطير رئيس مصر - الرئيس عبدالفتاح السيسى - إلى الخرطوم وأديس أبابا.. وفى ذهنه وعقله «نهر النيل» وبالذات مشكلة سد النهضة.

وأهم ما فى هذا الملف نقطتان، الأولى: طاقة تخزين المياه عنده والثانية هى المحافظة على حقوق مصر فى مياه النيل.. وهما نقطتان يمكن إذا كانت السياسة عنيفة تصل إلى حد استخدام كل عناصر القوة.. وإذا كانت السياسة هادئة وعاقلة يمكن حلهما بأسلوب الدبلوماسية الهادئة.. بشرط أن يقابل ذلك «أسلوب مماثل» من الطرف الآخر.. فهل فعلا إثيوبيا تسلك سلوكًا يجعلنا نستمر أكثر فى الأسلوب الهادئ.. أم تمضى قدمًا فى تنفيذ مشروعها رغم كل حسن النوايا التى تقدمها مصر، فى هذا الخصوص.
<< أقول ذلك لأننى أرى أن إثيوبيا لم تقدم أى بادرة لحسن النوايا.. بل هى ماضية - وبكل سرعة فى بناء السد.. بل وتكسب أكبر بسياسة كسب الوقت.. لأنها وإن كانت تجلس إلى مائدة المفاوضات ونرى الابتسامات وربما العناق.. إلا أننا على أرض الواقع - نرى تمسكًا إثيوبيًا بالمضى قدمًا فى بناء السد، والهدف واضح: هو فرض الأمر الواقع على مصر.. ولا تفسير لأى كلام يقال، على مائدة المفاوضات.
ورغم أننى أثق من أن كل ذلك تعرفه وتدركه القاهرة.. إلا إننى «أتوجس خيفة» من هذا الأسلوب الإثيوبى.. تمامًا كما أتوجس أيضًا من طول صبر القاهرة.. ياه ياعم أيوب!!
أكيد أيوب نفسه كان مصريًا.. وأكاد أجزم بذلك.
<< وقضية طاقة التخزين عند سد النهضة، قفزت خلال سنوات الفوضى وانشغال القاهرة بثورتيها.. واستغلال أديس أبابا لهذا الانشغال.. فقفزت بطاقة السد من 14 مليار متر مكعب إلى 74 مليارًا، هكذا بين ليلة وضحاها.. ثم تأتى مشكلة «فترة تعبئة منطقة السد» وإثيوبيا تعلن أنها حوالى 6 سنوات.. أى تحجز عنا 12 مليار متر مكعب سنويًا وطوال هذه السنوات الست.. مما يعنى جوعًا وعطشًا وجفافًا عندنا، «وإذا كانت» القاهرة تقبل هذه الطاقة، وأنا نفسى لأننى من أكثر المهتمين بشئون النيل أرفض هذا التخزين العملاق فإن الحل الذى «قد» توافق عليه القاهرة هو مد فترة تعبئة الخزان من 6 سنوات إلى 12 سنة لنقلل الأضرار، المؤكدة التى ستضرب مصر.. ولا يجب أن نقبل بغير ذلك.. مع العلم أن سد النهضة هذا يعنى ببساطة إلغاء السد

العالى عندنا الذى لا تعترف به إثيوبيا.. تمامًا كما لا تعترف بحقوقنا التاريخية فى مياه النيل!!
<< وهنا نجد أن إثيوبيا ترفض أى إدارة مشتركة للسد لأنها ترى فى هذه الإدارة تدخلاً فى شئونها الداخلية.. وهنا نسيت القواعد الدولية التى تطبق فى مشاكل إدارة الأنهار الدولية، التى تشترك فى نهر واحد، وأن القاعدة هنا تقول بأنه لا ضرر ولا ضرار.
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بتعبئة سد النهضة، وهذه تخص السودان ورغم عدم وضوح سياسة السودان - وهى هنا تطبق سياسة تعدد الوجوه.. فهم أيضا يضحكون فى وجوهنا ولكن نواياهم تضمر الكثير ضدنا.. ونقول هنا إن سد النهضة سوف يؤثر على سد الروصيرص وسد سنار ويكاد يلغى كل السدين.. وهذه اعترف بها وزير الرى السودانى السابق ودائمًا ما نجد نحن العرب من يتكلم سياستين: إحداهما تلبى رغبات الحاكم - وهو فى الحكم - فإذا خرج قال الحقيقة!
<< فإذا حدث وواقفت القاهرة على طاقة التخزين رغم خطورة ذلك فلا أقل من موافقة إثيوبيا على الإدارة المشتركة للسد.
وأيضا أرى ربط موافقة القاهرة على هذه الطاقة بقضية أخرى هى «اعتراف إثيوبيا وموافقتها مع نفس التوقيع» على حصة مصر من مياه النيل.. ولا نقصان لمتر واحد.. وأن يتضمن أى اتفاق «إطارى.. أو غيره» على الربط بين الموافقة المصرية.. والموافقة الإثيوبية.
نقول ذلك لأن إثيوبيا باتمام بناء السد.. تتحكم فى «حنفية مياه النيل تماما» بهذه الطاقة فى كل حصة مصر وهى 55 مليارًا ونصف المليار.. وأن نضمن - نحن كل المصريين - استمرار انسياب النهر، كما كان، ومن آلاف السنين.
<< وأرجو أن يكون كل ذلك واضحًا للرئيس «السيسى» وأيضاً للحكومة الإثيوبية .. وألا يضع الرئيس السيسي توقيعه، الذى هو توقيع مصر على هذا الاتفاق الإطارى.. بل وأرجو إلا يقبل الرئيس «السيسى» تأجيل أو استمرار مفاوضات كسب الوقت بعد الآن وأن يكون اجتماعه فى أديس أبابا حازمًا وحاسمًا لأن التأجيل يحقق لهم فرض الأمر الواقع.. وهذا مكسب لهم.
أقول ذلك قبل أن يطير الرئيس «السيسى» إلى هناك وقبل أن يضع يده - من جديد - فى يد أديس أبابا ويبلغ هذه الرسالة للبرلمان الإثيوبى الذى سيتحدث أمامه خلال هذه الزيارة.
<< اللهم إننى قد بلغت.. اللهم فاشهد.

 

ا