رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

سر.. هذا الحزن العميق

عباس الطرابيلى

الأحد, 25 يناير 2015 19:29

ليس غريباً هذا الحزن العميق، علي رحيل كبير العرب الملك عبدالله بن عبدالعزيز.. فالراحل هو فعلاً كبير العرب سناً ومركزاً.. عطاء وإنسانية..

وليس غريباً أن يحزن كل المصريين علي رحيل «هذا الكبير» الذي وقف معنا، في أشد ساعات الضيق، وقديماً قال الحكماء: الصديق.. وقت الضيق.. فمن وقف معنا وقت الشدة.. ووقت المحنة.. نقف له احتراماً وحباً.. بل وننسي كل ما عداه.. هكذا المصري «الذي يفرح» ليوم واحد.. ولكن يحزن أربعين يوماً وليلة.. ما هو سر هذا الحزن العميق.. علي رحيل عزيز وكبير رحل عنا؟ للحكاية أصول ومفاهيم.. بل وقواعد وسلوكيات.
<< فقد تكون هناك خلافات بين أشخاص.. ولذلك لا يذهب المصري ليشارك جاره الذي يختلف معه، عند زواجه أو زواج ابنه أو ابنته.. ولكنه يكون في مقدمة الذين يذهبون للعزاء.. وغالباً ما يكون ذهابه للعزاء بداية لعلاقات جديدة.. وعفا الله عما سلف.
وإذا مات شخص في آخر الشارع، أو الحارة.. أو الحي، فلا تسمع مذياعاً يذيع أغنية.. أبداً، بل تجد هذا الشخص يؤجل حفل زواجه أو زواج ابنه إلي أن تنتهي فترة الحداد، علي الجار الذي رحل.. ولا تسمع «زغروتة» أو حتي من يصفق إذا

اضطر المصري علي إتمام الزواج - احتراماً- لمن رحل ومات يعني «الدخلة تكون.. سكوتي» هذه هي المشاركة التي نعرفها نحن كل المصريين بل نجد المصري يرتدي السواد حداداً علي الراحل حتي ولو كان الراحل مجرد جار.. فالمشاركة واجبة.
<< فإذا كان هذا هو سلوك المصري تجاه جار مات أو رحل فما بالنا إذا كان المتوفي عزيزاً وكبيراً.. وقف معنا، عندما كثر الشامتون الذين يتمنون ذهاب ريحنا.. هنا يختلف الوضع، ويصبح الحزن مضاعفاً بل ومن القلب.. هكذا هو سر حزن كل المصريين علي رحيل كبير العرب خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز.
ولا يقف حزن المصري- علي رحيل عزيز لديه- عند مجرد تقديم واجب العزاء بالكلمات، وارتداء السواد.. بل يمتد إلي المشاركة الفعلية أي المشاركة بتقديم كل شيء.. بداية من إرسال «صواني» الطعام إلي بيت المتوفي ليأكل منه من جاء للعزاء، لأن أسرة الراحل ليس عندها الوقت لإعداد الطعام للمعزين.. وهذا سلوك مصري أصيل نجده في كل بقاع مصر.. من أقصي
جنوبها إلي البحر المتوسط.. فهذا حق للمتوفي ولأسرته.. وتخفيف عنها ومشاركة في أعباء استقبال المعزين.
<< والمصري يفرح يوماً واحداً- في الأفراح- ولكن حزنه يستمر 40 يوماً وليلة وهذا سلوك فرعوني، عمره آلاف السنين، ذلك ان مدة تحنيط الجسد كانت تستمر 40 يوماً.. إلي أن يتم دفن الراحل- في نهاية هذه الأربعين، ومن هنا جاءت «حكاية الأربعين»، وهي فترة تراها بعض الأسر أمراً يجب أن يتبع.. بل يري البعض ضرورة أن تلزم أرملة الراحل بيتها لا تخرج منه إلا.. بعد هذا الأربعين.
<< بل تذكر البرديات المصرية الفرعونية كيف أن جيران المتوفي يمتنعون عن أي مظاهر للفرح.. أو حتي خلال الأعياد.. إذا صادفت مدة الأربعين وأيضاً يوم الوفاة.. وأري ذلك أمراً طيباً لأننا هنا نعبر عن كل مشاعر- بل وسلوكيات المصري- تجاه جاره، أليس ذلك تعبيراً عن روح المشاركة الاجتماعية.
تلك هي أصوليات الحياة المصرية- منذ عصر الفراعنة- ومازالت.. فما بالنا- للمرة الثانية- يتعجب بعض الأجانب من حزننا نحن كل المصريين علي رحيل الملك «عبدالله»، الذي وقف معنا موقف الأخ والشقيق في وقت نحن فيه إلي مثل هذه المواقف.
<< ولا يجرؤ أحد علي المتاجرة بحزن مصر والمصريين علي كبير العرب فهو حزن مبرأ من أي غرض.. وجاء معبراً عن سلوك دفين وعميق علي عظيم وقف معنا، بينما- للأسف- من يحاول الآن تدمير مصر، ممن ينتسبون لهذا الشعب.. وهم ليسوا منا.
<< هو حزن دفين.. علي رحيل رجل عظيم.. هو بكل المقاييس كبير العرب.