رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

صبحي.. أبو الفقراء

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 20 يناير 2015 18:38

لا تحيرني شخصية ولا سلوكيات الفنان محمد صبحي.. بل هو كذلك، منذ قدم لنا «يوميات ونيس» بل ورحلة المليون.. وربما أيضاً «وجهة نظر».

ذلك أنني أراه تجسيداً للمصري الذي لم ينفصل عن مجتمعه.. بل ظل ملتصقاً به يعيش كل مآسي هذا المجتمع وصراعاته.. ولم يكتف بأن يقدم ذلك - فقط - من خلال أعماله الفنية.. ثم يجلس «يتمطع» تحت أشعة الشمس، في هذا النادي العريق، أو ذاك، ثم يردد ما يقوله معظم الفنانين: ها أنا قمت بواجبي من خلال أعمالي الفنية.. سواء مسرحياته التي حاول فيها كشف أخطاء،  - وخطايا - الرؤساء والزعماء كما فعل في «الجوكر» أو ماما أمريكا أو إنت حر.. ووجهة نظر.. وحتي بالعربي الفصيح.. فقد أراد - من خلال هذه الأعمال أن ينقل لنا ما يجب أن يؤديه الفنان الحقيقي، تجاه التغيرات التي يعيشها المجتمع.
<< لم يكتف صبحي بكل هذه الأعمال - رغم تميزها - ورغم ارتباطها الوثيق بقضايا الوطن، ولكنه انطلق ليؤكد لنا «شمولية» واجبات الفنان تجاه مجتمعه، وبالذات في سنوات محنته، وما أطول سنوات المحن في حياة المصري الحديث!!
لقد وضع صبحي يده علي واحدة من أهم خطايا نظم الحكم عندنا، وهي التي أفرزت لنا بلاوي العشوائيات، التي تكومت علي حواف المدن بل وامتدت إلي

عمق هذه المدن، بسبب نقص الخدمات في القري والنجوع الفقيرة.. وبحثاً عن لقمة عيش وسقف يحميها، ولو من صفيح أو بقايا أخشاب.. مع علب الكرتون.. فوق الهضاب المحيطة بالعاصمة كما في المقطم وامتداداته التي هي جزء من سلاسل جبال البحر الأحمر.
<< وحركته مآسي صخور الدويقة المتتالية التي انزلقت فوق مأوي الفقراء ولا نقول «مساكن» الفقراء.. فالمسكن هو ما يسكن المرء اليه ويحتمي هو وأطفاله، حقيقة قامت الدولة «ببعض» ما عليها وأقامت مساكن الإيواء.. ولكنها - للأسف - غالية سواء في أقساطها أو ايجارها..
هنا التقط الفنان صبحي - بفطرته الفنية - هذا الجانب الانساني.. ورأي أن الدولة - مهما كانت امكانياتها - تعجز عن تدبير المطلوب لايواء واعاشة هؤلاء الفقراء.. ابناء العشوائيات..
وهو هنا يضرب المثل لرجال الاعمال - الذين تربحوا -بارك الله لهم فيما تربحوه.. لكي يعيدوا للشعب، بعض ما ربحوه، في شكل مشروعات انسانية.. وصبحي هنا يستعيد بكل ثقافته المختزنة في عقله الباطن أعمال رجال الخير والعمل العام القدامي، الذين أقاموا المدارس، وبنوا العيادات والمستشفيات، وافتتحوا الملاجئ، والمشاغل والورش لتستقبل الناس، مجاناً..
وإقامة كاملة وعلاجاً شاملاً.. دون انتظار الشكر من أحد.. بينما رجال أعمال العصر أقاموا المدارس - بالمصروفات - والعيادات ليتربحوا منها، ويحولوا العمل العام.. من عمل خيري.. إلي عمل تجاري..
<< وانطلق محمد صبحي يحفر في الصخور.. ليحولها من ادوات للقتل إلي ملاجئ للعجزة.. ومساكن للحياة الكريمة.. وانشأ صبحي مؤسسة «معاً» لتطوير العشوائيات في مدينة السلام، أقصي شرق القاهرة، حيث يقيم اكبر تجمع من أصابتهم الكوارث.. وهي مدينة سكنية متكاملة الخدمات لنقل سكان العشوائيات إليها.. والمخطط لها أن تضم 5600 وحدة سكنية، وأول أمس زار المشروع الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر والدكتور جلال سعيد محافظ القاهرة ومفتي الديار.. وهناك أعلن الدكتورالإمام الشيخ الطيب تبرع الأزهر ببناء معهد للغات يساهم في تطوير العشوائيات..
<< تري.. ماذا كسب صبحي من مشواره الفني، الذي يمتد لسنوات عديدة.. حتي يقدم هذا المشروع - وغيره- لشعب مصر.. وماذا كسب رجال الاعمال الذين طفحوا علي السطح في سنوات قليلة.. ويكادون لا يقدمون شيئاً..
نقول ذلك ونحن نسمع عن فنانين يحصلون علي الملايين أجوراً لأعمالهم الفنية بينما صبحي يعاني وهو الذي يقوم بهذا العمل الرائع، رغم من يعاني من أسرته من أمراض..
<< أري محمد صبحي نموذجاً للمصري الاصيل الذي لم ينفصل عن شعبه.. ليخوض هذه المعركة من أجل الفقراء.. ويحول أفكاره الشعبية إلي أعمال حقيقية رغم أننا نسمع عن مشروعات عديدة، وتبرعات كبيرة ولكننا لا نري إلا كلمات وراء كلمات..
لهذا استحق صبحي ما أطلق عليه إمامنا الأكبر شيخ الأزهر.. من أن صبحي هو أبو الفقراء.. شكراً محمد صبحي، شفي الله لك مرضاك.. ومرضي كل المصريين.. من الفقراء..