هموم مصرية

من القاتل.. حتي يستريح كل شهيد

عباس الطرابيلى

الجمعة, 05 أغسطس 2011 08:56
بقلم: عباس الطرابيلي

هل اختيار أكاديمية الشرطة لمحاكمة مبارك ونجليه.. والعادلي ومعاونيه.. هل كان متعمداً حتي تكون هذه المحاكمة - في هذه الأكاديمية - رمزاً للمعزة.. والمذلة.. ففيها يتحقق قوله عز وجل: يعز من يشاء.. ويذل من يشاء..

 

اذ بالنسبة للمتهم الأول الرئيس المتنحي محمد حسني السيد مبارك كان يدخلها مزهواً رافعاً رأسه في فخر واعتزاز يتقدمه أقطاب وزارة الداخلية بداية من وزيرها ورئيسها واساتذتها.. ثم كل اعضاء المجلس الأعلي للشرطة ونصفهم - علي الأقل - جاءوها أمس متهمين.. كان حسني مبارك ما إن يصل إلي منطقة الاكاديمية حتي تؤدي له التحية الرسمية من كبار الضباط الذين كانوا يتجمعون قبل الوصول بعدة ساعات، وكان الرئيس السابق يدخل إلي الاكاديمية في كامل زينته كأنه فرعون العظيم يوم العيد..

وأمس دخل حسني مبارك مقر الاكاديمية متمهاً بأبشع التهم وهي قتل المواطنين، دخلها محمولاً علي «سرير متحرك» يرتدي ملابس الحبس البيضاء.. فسبحان من له الملك.. سبحان المعز المذل وشتان الصورتان.. الصورة الأولي التي كان يدخل عليها إلي مقر الأكاديمية.. ثم صورته أمس.. وسبحان مغير الأحوال..

<< الملاحظة الثانية أن الرئيس السابق كان متماسكاً للغاية رغم أنه كان راقداً علي سرير متحرك.. وكان يتابع كل ما يجري في قاعة المحاكمة.. تري ماذا كان يقول لنفسه وهو مستمع - داخل القفص - إلي كلمات المحامين.. خصوصاً عندما قال إحدهم أن حسني مبارك مات عام 2004 وطالب باستخدام تحليل الحمض النووي لاثبات ذلك من عدمه.. وكان حسني

مبارك يشير إلي بعض من في القاعة بل وتبسم أكثر من مرة.. وكان يتشاور مع ولده جمال أكثر مما تشاور مع نجله الأكبر علاء.. وكان دائماً ما يسند رأسه بيديه..

<< الثالثة: ساءني لغة الكثير من المحامين.. فكثير منهم لم يتكلم بلغة عربية سليمة.. وكان أقلهم يتحدث بلغة بليغة صحيحة.. وأكثرهم كان يتحدث بالعامية.. واذا تحدث أحدهم أو حاول الحديث باللغة الفصحي كان غالباً ما يخطئ في النطق وفي التشكيل.. وتحسرت علي عصر عظيم كان المحامي يحرص علي الحديث -داخل المحكمة - بلغة عربية فصحي.. وينطق كل كلمة نطقاً سليماً، وكيف كان جيلي يحرص عدد منه علي حضور بعض الجلسات لنستمع إلي هؤلاء المحامين العظام، ولكن هذا زمن ولي.. زمن احترام اللغة العربية علي الاقل داخل قاعات المحاكم.. تماماً كما كنا نحرص علي ترك محاضراتنا في قسم الصحافة لندخل قاعات محاضرات كلية الحقوق بالقاهرة أمامنا لنستمع إلي محاضرات الاساتذة العظام وذلك في النصف الثاني من حقبة الخمسينيات وحتي أول الستينيات.. فهل تعاني اللغة العربية حتي داخل المحاكم؟!

<< وملاحظة أخري.. تلك هي ملابس الكثير من الحاضرين.. اذ كان بعضهم يرتدي قمصانا مفتوحة.. أو «تي شيرتات» ومن ارتدي بدلة لم يتمسك بارتداء الكرافتة.. بينما كنا زمان نلتزم

بارتداء البدل كاملة مهما كانت درجة الحرارة في الصيف.. ذلك أن المحاكم كانت لها هيبتها.. وأتذكر أنني ذهبت مرة شاهداً في احدي المحاكمات ان كان كل الحاضرين يرتدون البدل كاملة ومازالوا في العالم المتحضر - يحرصون علي الملابس الكاملة.. في محاكماتهم..

<< واذا كنت أرفض أن أتدخل بين العبد وربه.. إلا أنني رأيت مدي تمسك علاء وجمال مبارك بحمل نسخة من القرآن الكريم.. حتي هل كان كلاهما يقرأ القرآن في حياته السابقة.. حتي يحمل المصحف الكريم في يده الآن.. وهل كان يعمل كل منهم بما جاء في هذا الكتاب السماوي الكريم.. أم عادا إلي القرآن وأحكامه.. بعد أن اصبحا وراء القضبان؟! أقول ذلك وقد لاحظت كيف سحب جمال مبارك الميكروفون من يد والده بعد أن قال إنه لم يرتكب أيا من التهم التي وجهت إليه.. فهل أراد جمال أن يمنع والده من أن يضيف كلاماً آخر غير ما قاله..

<< حقيقة كانت الجلسة الأولي مجرد جلسة إجراءات.. ولكن الملاحظ أن رئيس المحكمة كان طويل البال.. وتحمل كثيراً من تدخلات المحامين.. وكان هادئاً معظم أوقات المحاكمة..

حقاً ان اختيار أكاديمية الشرطة مقراً للمحاكمة التاريخية جاء ليعطي المواطن وللرئيس السابق فرصة ليتذكروا المعني الكبير حيث الله يعز من يشاء.. ويذل من يشاء.. هنا كان حسني مبارك يدخل منفوش الوجه يمشي مترفعاً.. يختال وسط رجاله.. وهناك يدخل مبارك محمولاً علي محفة أو علي سرير طبي.. بعيداً عن أي أبهة أو ترفع.. بل وحوله - في نفس الاكاديمية - من كان يده اليمني في الأمن المصري..

<< كل هذا بينما الشعب كله يريد أن يعرف من هو القاتل.. ومن الذي أصدر الأوامر..

شعب مصر يريد القصاص.. ومن داخل أكاديمية الشرطة التي تعلم كل شاب أصول التعامل مع المواطن..

حقاً من القاتل .. وكيف ينال عقابه.. شعب مصر ينتظر ونتمني ألا يطول الانتظار..