رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

يا أم العيون.. السود!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 12 ديسمبر 2014 00:43
بقلم - عباس الطرابيلي

بمناسبة ما كتبته هنا، منذ يومين، عن الفجافيجا أي العصافير المقلية والحلو كانت «بمبوظة» أو «بامبوزيا» ربما من باب أو محاولة تعجيزي «معلوماتيا» عن حقيقة هذه الفاكهة.. وشكلها وطعمها.. فأقول انها فاكهة «كانت» موجودة في مصرنا وانتشرت في العشرينيات والثلاثينيات، ومازال بعضها موجوداً وأكلته في رأس البر منذ أقل من شهر.. ولكن الكيلو بعشرين جنيهاً.. بينما كيلو التفاح الأحمر المعتبر يباع بثمانية جنيهات.. وبالذات الأمريكاني!

<< ورجعت إلي مكتبتي- وهي عامرة بكل كتب المعلومات والمعرفة- ووجدت بينها كتاباً بعنوان «حديقة الفاكهة» تأليف عبدالغني غنام.. وكانت طبعته هي الخامسة وصدرت عام 1935 وبالمناسبة مطبوع علي الغلاف عبارة «كل نسخة غير ممضاة من المؤلف.. تعد مسروقة» والحمد لله نسختي موقعة، فوجدت هذه المعلومات: الجامبوزا.. واسمها باللاتينية هو Eugenia Jambolane «يعني يوجينيا جامبولانا» وهي شجرة دائمة الخضرة، متوسطة النمو، وأوراقها الحديثة حمراء، وهي عرضة للإصابة بالحشرات القشرية، ولذا يحسن عدم زراعتها وسط الموالح حتي لا تكون مصدر عدوي لها، وثمارها في حجم الزيتون، ولونها بنفسجي غامق، وهي حمضية الطعم، تنضج في يوليو وأغسطس، وتزرع بذورها في قصاري عقب استخراجها من الثمار في أغسطس وسبتمبر.
<< وهناك نوع آخر اسمه العلمي أو اللاتيني «يوجينيا جامبوزا»

ويعرف باسم «فولجاريس»، ويعرف أحياناً باسم تفاح الورد، والشجرة جميلة المنظر والأوراق  بسيطة بيضية مطاولة وضعها مقلوب والأزرار الطرفية حمراء تشبه أزرار الصفصاف البلدي، والثمرة- وهذا ما يهمنا- «عنبية» حمضية الطعم، مستديرة، أو بيضية، لونها أخضر باهت، لها رائحة الورد، وتنضج في شهري يوليو وأغسطس، وتستعمل الثمار طبياً لعلاج وشفاء الإسهال المزمن.
وأشجارها تزرع بجميع الأراضي ما عدا الملحية والرملية، وتتكاثر بالبذور في سبتمبر أو مارس في أصص، أو بالطعيم بالعين علي أصول من البذرة، وتسمد بالسماد البلدي القديم أو السبلة العتيقة في يناير.. وتثمر الشجرة في السنة الرابعة من غرسها.. وتنفع ثمارها في صنع المربي ولكنها تصاب بالبق الدقيقي وتعالج بالرش.
هذا ما جاء في الكتب العلمية، في مكتبتي.. ولكن ماذا عن الطبيعة؟!
<< بداية واضح ان البمبوظة- كما ينطقها الدمايطة- أو البامبوزيا كما ينطقها غير الدمايطة هي تعريب، أو تمصير للكلمة اللاتينية جامبوزا أو للكلمة الأخري يوجينيا جامبولانا وقد عربها مؤلف الكتاب وهو عالم في الزراعة باسم «الجامبوزا»، وبالتالي حرفها العوام في مصر إلي كلمة
بمبوظة.. أو بامبوزيا، أو بامبوظيا.. كعادة المصريين في التخفيف من الأسماء الأجنبية.
<< وثمرة المبوظة التي أعرفها وأكلتها كثيراً وأنا صبي في دمياط اما تكون بيضاوية مسحوبة، أي تشبه تماماً ثمرة زيتون كالاماتا الذي ينسب إلي اقليم كالاماتا في أقصي جنوب غرب اليونان، أو مستديرة مثل ثمرة زيتوني تفاحي «فيومي» أو حتي «عزيزي» أو عجيزي من سيوة، أو سيناء.
والطعم حمضي سكري، لذيذ، وكلما زاد لونها ومال أكثر إلي اللون الأسود الغامق، كان ذلك دليلاً علي تمام نضجها وكثرة حلاوتها.. وهي مستديرة عندما تكون في أحسن حالاتها.. والنواة كبيرة، ويؤكل ما حول النواة.. وتصبغ الفم واللسان باللون البنفسجي المحبب لمن يكثر من أكلها.
<< وبسبب جمال الثمرة ونعومتها الشديدة، أفضل في الشكل من الكريز الأسود الغامق أو البنفسجي الداكن.. فإن الباعة كانوا ينادون عليها في الأسواق والحواري بنداء محبب للنفس، خصوصاً للبنات وصغار الشباب.. كان النداء يقول «يا أم العيون السود.. يا حلوة، يا بمبوظة»! لأن المصري- زمان- كان يعشق الفتيات ذوي العيون السوداء مع شدة بياض ما حول الحدقية.. وكنا نصف البنت الحلوة، بأن «عينيها سوداء.. فحمة.. أو ياواد دي عيونها سودة.
<< وهكذا حملت البمبوظة صفة الجمال عند كل صبايا المصريات الجميلات.
تلك هي حكاية البمبوظة.. التي تكاد تختفي من مصر وان بقيت بعض أشجار النبق، الذي هو تفاح الفقير وكذلك أشجار التوت التي يطلق عليها المصري «التين» وكما اختفي المخيط.. تماماً كما اختفت الفراولة البلدي.. وحولنا الجميز إلي تين.. واختفي الشليك والعجور والعناب، والبطيخ الشليان بلاك.. والنمس الصلحاوي.
وكانت أيام!
 

ل