هموم مصرية

فوانيس رمضان بين المعز.. والمفتش كرومبو

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 02 أغسطس 2011 08:43
بقلم:عباس الطرابيلي

تعالوا نبتعد قليلا عن السياسة وفلول السياسة.. والاعتصامات وفلول الميادين.. وتقدم أحد الاجنحة وتأخر كل باقي الاجنحة.. ونترك جانبا ان مصر دولة مدنية ليستولي عليها السلفيون ويعلنوها اسلامية اسلامية كأنهم فقط هم المسلمون.. أما ما عداهم فهم غير مسلمين..

تعالوا نترك كل ذلك - مؤقتا - لنخفف عن عقل القارئ ونعيده الي ذكري زمن حفر أساسياته في الوجدان المصري لمئات عديدة من السنين..

<< كانت في مصر حرف فرضتها نظرية العرض والطلب.. أي حاجة الناس إليها..

ففي زمن لم تكن الكهرباء قد اكتشفت بعد.. وكانت السلطات تضع مشاعل لإضاءة الشوارع والحارات والأزقة تحرك العقل المصري بداية من استخدام الشموع.. أو مشاعل الزيت.. وصولاً إلي مشاعل الغاز التي عرفتها مصر من أيام الخديو فأدخلها إلي القاهرة..

ولكن كان الفانوس هو وسيلة الاضاءة الرئيسية في الشوارع، وعلي نواصي الحارات والازقة.. وكانت تصنع من الصفيح والزجاج وفي وسطها كان هناك مكان للشمعة.. ولذلك كانت الشموع تجارة رائجة.. وكانت مصر تستوردها من الخارج.

<< وفتح جوهر القائد مصر باسم الفاطميين، في آخر عهد الاخشيديين.. وأخذ يبني القاهرة لتصبح مقراً للدولة الجديدة.. دولة الفاطميين في مصر التي تجاوز عمرها - بعد ذلك - حوالي قرنين..

المهم أخبر جوهر الخليفة الفاطمي الرابع - المعز لدين الله - وكان لا يزال في مقر ملكه في شمال افريقيا، ان القاهرة .. عاصمته الجديدة اصبحت جاهزة لاستقباله..

ولم يحضر المعز بمفرده.. جاء مصر ومعه كل أقاربه الاحياء والاموات.. وذلك بعد حوالي ثلاث سنوات من فتح

جوهر لها.. ونزل بكل من معه في البر الغربي للنيل.. عند الجيزة.. والجيزة معناها جاز النهر، أي عبره.. ولما كان الوقت قليلاً وصمم المعز علي العبور من الجيزة الي القاهرة علي البر الشرقي وكان ذلك مساء يوم السابع من شهر رمضان عام 362 هـ .. دخل القاهرة من باب القوس الذي ظل المصريون يمرون منه تبركاً.. وفوجئ المعز بآلاف المصريين كباراً وصغاراً يقفون علي الصفين يحملون نوعاً من الفوانيس صنعت من الصفيح وجوانبها من الزجاج الملون ابتهاجا وترحيبا بالحاكم الجديد الذي حول مصر من المذهب السني الي المذهب الشيعي..

<< واستمر مرور المعز بين المصريين الذين رحبوا به كل ترحيب الي ان دخل القصر الشرقي الكبير الذي أعده له قائده الوفي جوهر القائد في الموقع المعروف الآن عند بيت القاضي، غير بعيد عن خان الخليلي الذي اختاره المعز - وكان يعرف باسم تربة الزعفران ليدفن فيها اباؤه واجداده..

وتحول طريق المعز منذ عبر النيل من الجيزة علي البر الغربي فوصل الي البر الشرقي بالقرب من الفسطاط، وكان جوهر منذ انشأ القاهرة شمالي الفسطاط، أول عاصمة اسلامية لمصر وفوجئ الخليفة بهذه الصفوف المتراصة التي حملت الفوانيس وانارت له الطريق - من الفسطاط - الي قرب الجامع الازهر مما أدخل السرور علي

قلب الخليفة الفاطمي..

<< وأصبح الفانوس رمزاً من رموز القاهرة يحملونه كل رمضان احياء لتلك الذكري. وبرع عمال مصر في صنع انواع عديدة من هذا الفانوس.. الذي يحمل ختم ابناء  القاهرة.. ولم يتطور الفانوس كثيراً وعلي مدي مئات السنين ظلت اساسيات الفانوس هي هي.

ومهما تغيرت الحكومات، والنظم. ومهما دخلت علينا الحضارة بكل جديد ظل هذا الفانوس يتحدي الزمن وهو فانوس يبدأ صغيراً يحمله الرضيع ويكبر الي ان يوضع وسط الشوارع.. ويضاء بالكهرباء من بعد الغروب الي بعد الفجر.

<< وتمسك المصريون بهذا الفانوس التقليدي.. وتحدوا به الزمن وايضا تحدوا الفوانيس صينية الصنع التي جعلوها تنطق بأشهر الاغاني الرمضانية الي ان ظهر فانوس المفتش كرومبو وفانوس ابو تريكة.. ولكن الفانوس الذي اصبح رمزاً لمصر عاد هذا العام ليكتسح كل قوانين الصين، وكأنه عصا النبي موسي تبتلع عصي أي ثعابين سحرة فرعون.

ومازلت اتذكر فانوسي الصغير الذي كنت أحمله لينير لي الطريق - في ليالي رمضان - من الورشة التي كنت أعمل بها وانا أقل من الخامسة من عمري، الي بيتي.. وكم كنت حريصا علي ان تظل شمعة مشتعلة حتي أصل إلي بيتنا آمنا من خوف رغم عقيدتنا بان الله قد حبس العفاريت وسلسلهم بالجنازير طوال رمضان إكراما لشهر الصيام.. وكان ذلك في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي..

<< ياه زمن طويل كنت أحمل فيه فانوسي الصغير هذا وأصعد فوق مئذنة مسجد الشيخ أطعن القريب من بيتنا.. أو مئذنة مسجد الغزنوي امام مسجد جدي ونسبح الله ونشكره علي ما أعطانا من خيرات في هذا الشهر الكريم..

كم اعشق دمياط أيام طفولتي.. وكم أحن لحواري دمياط الضيقة المرصوفة بأحجار البازلت الرمادية، الصغيرة أو الكبيرة.. ونحن ننطلق وراء عم سليمان مسحراتي قسم رابع بدمياط.. وهذا مقالنا غدا عن المسحراتي.. الذي يكاد ينقرض من حياتنا.. رغم ان الفانوس مازال يقاوم ويقاوم..

<< وبركاتك يا الخليفة المعز لدين الله الفاطمي!