رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

عشاق.. صباح فخرى!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 21 نوفمبر 2014 21:17
بقلم : عباس الطرابيلى

كنت أعتقد أننى آخر عشاق الفنان السورى الشامخ صباح فخرى، فى مصر.. بعد موجات الغناء الهابط التى تدق حياتنا هذه الأيام.. ولكننى اكتشفت عاشقة أخرى لهذا الفنان الرائع هى الدكتورة لميس الحديدى.. بل هى من عشاق فن الموشحات وفن القدور الحلبية الجميلة التى انطلقت من حلب الشهباء، أول مدينة فى شمال سوريا تتصدى لموجات الغزو التركى منذ مئات السنين، ربما أقدم من معركة الخسة والخيانة ـ مرج دابق التى انتصر فيها السلطان التركى سليم على قوات مصر وسوريا هناك شمال حلب وما انتصر فيها سليم على قانصوة الغورى عام 1516 إلا بخيانة بعض قادة جيش الغورى ـ وهو دائمًا أسلوب الاتراك ـ لسلطانهم المصرى، وكأن حلب هذه بتلك الموشحات والقدور الحلبية تدافع بها عن عروبة الشام ومصر.. أقول: من حلب هذه ولد وجاء لفن الطرب الأصيل، الفنان صباح فخرى.

<< وقد استمتعت بلقاء د. لميس الحديدى بالفنان صباح فخرى وهى تدير لقاءً رائعًا معه، ومع ابنه أنس أبوقوس «فخرى» منذ أيام.. وكأن الدكتورة لميس تريد أن تعيد إلى آذاننا وذوقنا الفن العربى الأصيل الذى افتقدناه طويلاً، فى السنوات الأخيرة.. بل وقدمت لنا كثيرًا من أعماله الخالدة، وبعضها لم يسبق أن استمعت إليه، رغم اننى اعتقد أننى أمتلك كل أعماله.
ولقد استمعت إلى صباح فخرى لأول مرة،عندما كنت أدرس إدارة الصحف فى معهد الصحافة فى برلين عام 1971، كنت بين اليقظة والنوم فى غرفتى بالمعهد ـ وكان هو أيضًا بيت الاقامة والدراسة ـ عندما تهادى إلىّ صوت يغنى بالعربية الفصحى، من الطابق الأرضى بالمعهد.
<< كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل.. فنزلت بالبيجامة أبحث عن مصدر هذا الغناء، ووجدت زميلى فى البعثة الفنان الكبير محيى الدين اللباد يجلس «منشكحًا» يتمايل طربًا مع هذا الصوت الشادى شديد العمق والقوة وطلب منى اللباد ـ عليه رحمة الله ـ بإشارة من يده أن أجلس.. ووجدت نفسى أسبح ـ معه ـ فى بحور من النغم والطرب الأصيل.. وبعد الانتهاء قال قبل أن أسأله: إنه صباح فخرى فنان سورى فيه الكثير من العمق والقوة والقدرة اكتشفه وهو فى بيروت، فحمل معه كل تسجيلاته إلى القاهرة.. ثم إلى كل مكان يسافر إليه.. ومنها برلين.
<< وكانت المرة الثانية، عندما استمعت إليه وجهًا لوجه، وكان يغنى ويرقص فى فرح أحد أثرياء أبوظبى أول عام 1972، ذهبت إليه حاملاً جهاز تسجيل وعدة شرائط.. إذ المعروف عنه أنه عندما «يتسلطن» يواصل الغناء لساعات عديدة.. بل إنه دخل موسوعة جينيس العالمية عندما وقف يغنى للعرب المهاجرين إلى فنزويلا.. لمدة 10 ساعات فى فنزويلا.
وصعد صباح إلى مسرح الفرح ـ وكان بجوار فندق استراند فى أبوظبى ـ عند منتصف الليل.. واستمر «يصدح» يغنى ويتمايل ويرقص حتى ساعات الفجر.. فالجمهور يستعيده باستمرار.. ويستعيده، وبالذات فى روائعه «قل للمليحة فى الخمار الأسود.. ماذا فعلت بناسك متعبد».. وفى مقطع من الأغنية يرتفع صوته كأنه يؤذن للصلاة.. فالمقطع يتحدث عن راهب كان قد شمر ثيابه للوضوء والصلاة.. يا سلام على

صوت صباح وهو يكاد يؤذن للصلاة.. ثم اغانيه: يا مال الشام.. ودقى دقى يا ربابة.. وعدت إلى غرفتى بالفندق حاملاً كنزًا لا يقدر بمال.
<< وأصبحت من عشاق صباح، وكنت كلما زرت بيروت أعود محملاً بعشرات الشرائط لأعمال صباح فخرى، الذى غنى بالعربية الفصحى كما لم يغن أى فنان آخر.
واكتشفت ـ فى مصر ـ عاشقًا آخر ربما قبلى وأكثر عمقًا هو المهندس أمين صادق، الذى أنشأ جمعية لمحبى الطرب الأصيل، سرعان ما حول اسمها إلى جمعية صباح فخرى.. ضمت العديد من محبى هذا الفنان الرائع.. وتم اشهارها فى وزارة الشئون الاجتماعية. ومات المهندس أمين صادق وهو فى الأصل مهندس للبترول منذ أعوام قليلة وأخرج كتابًا رائعًا عنوانه «مصر.. إذا غنت» وهو أكمل كتاب عن أم كلثوم وعبدالوهاب وصدر عام 2003، وكما كان من عشاق صباح.. كان أيضًا من عشاق الشيخ سيد النقشبندى.
<< المهم صدمتنى صورة صباح فخرى مع الرائعة لميس الحديدى.. فقد أصابه المرض وأنا واثق أن ما ضربه هو ما حدث لمعشوقته سوريا وبلدته حلب ولذلك فهو يعيش الآن فى لبنان.. وكان صديقًا صدوقًا للفنان عبدالوهاب وكذلك لوديع الصافى.. ولكن رغم اننى أمتلك معظم شرائط صباح إلا أن الاعلامية اللامعة د. لميس قدمت لنا تسجيلاً رائعًا له عن اسماء الله الحسنى، ثم غنى لمصر وسوريا معًا: مصر انت الإلهام.. يا مصر انت الحب والالهام.
ولكننى حزنت لما حدث لمعشوقى صباح ضربه المرض، ولكن صوته مازال يدوى.. وعمق ادائه يسيطر علينا تمامًا.. وقارنت صورته تلك وصوره وهو شاب يرقص.. وينطلق فوق المسرح، ويطربنا، حتى الفجر.
<< أما المفاجأة الحقيقية فهى ابنه أنس أبوقوس فخرى الذى ورث صوته وقدرته على الأداء.. وفرق بين صباح الشاب الوجيه، بل شديد الوجاهة والاناقة.. بشعره الأسود الفاحم.
وسيبقى صباح فخرى اسطورة فنية حية.. هى كالدهن فى العتاقى ولن أنسى بطرمان الباذنجان المكدوس الذى أهدانى إياه فى بيت صديقنا المشترك.. صباح فخرى عاشق النيل الذى يفضل فندق شبرد.. على أى فنادق أخرى!!.
 

ا