رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إخلاء دمياط.. وهدمها.. حماية لمصر

عباس الطرابيلى

الجمعة, 07 نوفمبر 2014 20:59
بقلم : عباس الطرابيلى

ليست مدينة رفح هى أول مدينة يتم إخلاؤها.. حماية للوطن كله.. بل سبقتها فى ذلك مدينة دمياط.. وكما أن رفح هى أهم «ثغر» فى شمال شرق مصر.. فإن دمياط كانت أهم وأكبر ثغر وميناء فى شمال مصر.. كانت ثانى أكبر مدن مصر، بعد القاهرة.. وقبل مدينة الإسكندرية.. ورغم ذلك تم التضحية بمدينة دمياط وهدمها بالكامل.. بل وسد بوغازها أى بوابة مصر البحرية على البحر المتوسط.. كيف كان ذلك؟!

<< شرحت أمس الأسباب التى دفعت بحكام مصر الى هذا القرار الخطير.. وهو أسلوب بدأه صلاح الدين الأيوبى نفسه، من أجل الأمن القومى المصرى.
فقد أمر صلاح الدين نفسه عام 1192 بإخلاء مدينة تنيس ونقل أهلها الى دمياط ـ وكانت من أشهر مدن مصر للغزل والنسيج وكانت تصنع كسوة الكعبة.. وتم نقل آلاتها ومصانعها الى دمياط.. وبعضهم تم نقله الى المحلة الكبرى.. ولم  يبق فى تنيس ـ وكانت فى جنوب شرق بحيرة المنزلة ـ إلا القوات المسلحة للدفاع.. وجاء الملك الكامل ابن الملك العادل فأمر عام 1228 بهدم تنيس بالكامل وهكذا زالت المدينة من الوجود.. من أجل الدفاع عن الوطن.. الذين كانوا يهددونها عدة قرون.
<< بل إن صلاح الدين نفسه هو الذى أمر بقطع أشجار بساتين دمياط وإخراج النساء منها ثم حفر خندقاً حول دمياط وأنشأ جسراً، أي سداً، عند سلسلة البرج الذى يقف ضلعه الشرقى عند مدينة «عزبة البرج» الحالية أمام رأس البر.. ويقف ضلعه الثانى عند قرية الجربى الحالية، فى منتصف مصيف رأس البر.
وبجوار ذلك أمر صلاح الدين بإصلاح أسوار دمياط وأبراجها الثلاثة، بل إن العزيز بن صلاح الدين أمر بهدم الأهرام ونقل أحجارها لتدعيم أسوار دمياط، ولكن قواده أبلغوه أن تكاليف الهدم كبيرة.. فشرع فى

هدم الهرم الأصغر لاستخدام أحجاره لنفس الغرض.. ولم يعرف أحد هل نفذ ذلك أم لا؟!
<< وبعد جلاء قوات لويس التاسع عن دمياط يوم 8 مايو 1250م وما تبعه من صراع على السلطة.. إلى أن استقر على عرش مصر الأمير المملوكى عز الدين أيبك التركمانى فى أغسطس 1250م خشى المماليك أن ينتهز الصليبيون هذا الصراع فيعودوا إلى دمياط ليتخذوا منها معبراً لاحتلال كل مصر..  وكان وجود دمياط فى هذا الموقع مصدراً للمخاوف.. علاوة على ما ينفق عليها من أموال لتحصينها.. ورأى بعضهم أن المنصورة يمكن أن تكون خط الدفاع الأمامى عن مصر.
وهكذا اتفق المماليك فى حكم السلطان أيبك على تخريب دمياط فى نوفمبر 1250م ـ شعبان 648هـ. وتم إرسال «الهدادين» أى العمال والفعلة والحجارين الى دمياط، وتم هدم كل شىء فى المدينة من عمارات وقلاع وأسواروحواصل أى وكالات تجارية ولم يبق من المدينة سوى المسجد الجامع القديم المعروف باسم جامع عمرو بن العاص، أو  جامع أبوالمعاطى ويجمع كل المؤرخين.. وأشهرهم ابن دقماق والمقريزى وأبوالفدا وابن إياس وابن تغرى بردى على أن المماليك لما أمروا بتخريب المدينة «نقلوا أهلها الى مصر.. يقصدون القاهرة وأن هذا التخريب تم فى العشر الأواخر من شعبان عام 648هـ.. وكان الهدم قد بدأ يوم الإثنين 18 من شعبان.
<< ودمياط التى هدمت ـ أى المدينة التاريخية ـ كانت تمتد من جنوب عزبة البرج.. أى كانت أقرب الى البوغاز، أى مصب النيل، يعنى أمام رأس البر الحالية، أو
جنوبها قليلاً.. وكانت مشهورة بمساجدها وكنائسها وعماراتها وتجارتها ومصانع النسيج بها.. ولا نعرف كيف محاها المماليك فى أيام قلائل.. ولم يتركوا فيها إلا مسجد عمرو، وكان يقع فى أقصى جنوبها.. وهو الآن عند أقصى شمالها!!
ولكن الدمايطة لم يقبلوا أن تموت مدينتهم.. بل انطلقوا بعد عامين اثنين فقط يبنون بيوتاً لهم ـ فى أقصى جنوب شرق المدينة القديمة ـ من بوص وغاب أى عششاً مثل العشش التى اشتهرت بها رأس البر منذ 70 عاماً! وسكنها فقط أعداد من الصيادين الذين يعيشون قرب بحيرة المنزلة.. وسرعان ما دبت الحياة فى هذه العشش التى حملت اسم «المنشية» أى المنشأة الجديدة، ومازال حى المنشية من أشهر أحياء دمياط.. الحالية!!
<< المهم أن الظاهر بيبرس البندقدارى بعد أن أصبح سلطاناً على مصر عام 1260م وهو بطل معركة المنصورة.. ومعركة غزة.. ومعركة عين جالوت أدرك أهمية دمياط.. فأعاد بناءها من جديد، فى موضعها الحالى، ولكنه ،هو الخبير العسكرى عرف ان السلسلة لا تكفى للدفاع عن المدينة ولا تمنع العدو عن دخولها.. لذلك أمر بسد مصب النيل بالأحجار عام 1261، أى بعد عام واحد من حكمه.. حتى لا تستطيع سفن الأعداء دخولها.. وقام الحجارون بذلك وألقوا فيها كتلاً ضخمة من الأحجار، حتى ضاق المصب وتعذر دخول المراكب الكبيرة الى دمياط.
ثم أخذت الرمال تتراكم حول وفوق هذه الأحجار حتى تحولت الى سد كبير وكان ذلك بداية اضمحلال ميناء دمياط.. وأعاد وضع السلسلة!! وأمر بوضع قوات كبيرة هناك تدافع عن مدخل مصر الشمالى هذا.
<< وهكذا دفعت دمياط ثمناً غالياً بسبب موقعها.. وعندما أعيد إنشاء المدينة بعد 10 سنوات.. تمت إقامتها جنوب موقعها الأصلى بحوالى 10 كيلومترات..وكل ذلك من أجل الأمن القومى المصرى.. وهو نفس الثمن الذى تدفعه هذه الأيام مدينة رفح المصرية على حدودنا مع غزة.. ،هو وإن كان ثمناً باهظاً إلا أنه يجىء تلبية لمتطلبات الأمن القومى. وما اخلاء الشريط الحدودى عند رفح إلا بداية ـ وفرصة ـ لبناء مدينة جديدة وعصرية بها كل متطلبات الحياة الحديثة.. هى رفح الجديدة التى نتمنى أن تبدأ مصر وفوراً فى إعادة بنائها.
<< وهذا هو الثمن الذى تدفعه دائماً مدن الحدود.. ومدن الثغور.