رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

وزير الفقراء.. وداعاً

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 19 أغسطس 2014 21:30
بقلم - عباس الطرابيلي

يؤلمني كثيراً عدم اهتمام الإعلام المصري بتوديع مسئول مصري أعطي الشعب الكثير.. حتي أن الصحف الكبري، منها ما نشر خبر رحيله من خمسة أسطر

فقط.. ومنها - وهو الأكثر- من لم يهتم أصلاً، بنشر الخبر!! فهل هذا من طبيعة الأمة المصرية.. التي تتجاهل المسئول بعد أن يترك كرسي السلطة.. أو تطول غيبته عن الناس، بسبب المرض.. رغم أنه كان نجماً من نجوم السياسة في بلادي، ورغم أن أخباره - كانت دائماً - ما تنشر علي الصفحات الأولي بلا انقطاع.
أقول ذلك بسبب رحيل الدكتور أحمد جويلي، الذي أطلق عليه كل المصريين وزير الفقراء.. أو وزير الغلابة، وهو الذي نشأ بسيطاً في محافظة البحيرة وتعلم في مدارسها.. ولما تفوق طار ليستكمل تعليمه فوق العالي، في واحدة من أشهر جامعات الغرب الأمريكي، في كاليفورنيا.. وعاد ليخدم أهله وينطلق تماماً مثل الشهاب لامعاً وكانت عيناه دائماً علي الفقراء والغلابة فلم يكن بعيداً عنهم أبداً، بل كان أقرب المسئولين.. إليهم!!
<< ولقد عرفت الدكتور أحمد جويلي منذ كان محافظاً لدمياط - بلدي - وله لمسات مازالت قائمة هناك، وكان مكتبه مفتوحاً للكل، علي عكس معظم المسئولين، أيامها.. ثم خسرته دمياط ولكن تتلقفه الإسماعيلية محافظاً لها وهي من أخطر المحافظات وكانت عيونه دائماً تتجه شرقاً، عبر قناة السويس، إلي سيناء، وربما تلاقت هنا أحلامه مع حلم الأكبر مسئولية منه لتطوير منطقة شرق القناة - أمام الإسماعيلية - ولذلك كان أكبر داعية لمشروع وادي التكنولوجيا بهدف

دخول مصر هذا العصر الرائع.. وكانت عيونه تحلم بأن يصبح هذا الوادي علي غرار وادي السيلكون في ولاية أريزونا وبالقرب من مدينة فينكس.. وكان ذلك من أهم أسباب منح محافظة الإسماعيلية مساحة ضخمة من أرض سيناء، المواجهة للإسماعيلية لتكون نواة لهذا المشروع المصري الحيوي.. ولكن لأننا دائما لا نستكمل ما بدأناه، نام المشروع، ولا نقول: مات المشروع.. وتذكرت ذلك وأنا أتابع كلمات وأحلام الرئيس السيسي وهو يتحدث عن مشروع القناة الجديدة واحيائه لمشروع وادي التكنولوجيا من جديد..
<< وخطفته وزارة التموين ليقدم للفقراء واحداً من أهم أعماله.. وقد اعتقد البعض أنه جاء للتموين ليغلق ما بقي من مجمعات استهلاكية، ضمن هوجة الخصخصة - وهي هدف جميل في مظهره.. ولكنه شديد الخبث في مخبره.
وواجهته - في مكتبه بالوزارة- بما جاش في صدري أيامها.. وسألته: هل جئت لتصفي هذه المجمعات.. وبأسلوبه الهادئ الذي عرفناه عنه قال: بل جئت لكي أعطيها «قبلة الحياة» فهذه المجمعات أو الجمعيات هي أسلوب الدولة لتوفير الأساسيات للناس.. وإذا كان الاثرياء يذهبون إلي محال «السوبر ماركت» الشهيرة فإن بسطاء الناس لا تعرف أقدامهم وعيونهم إلا هذه المجمعات.. ليحصلوا علي أساسيات الحياة.
<< وتذكرت هنا فترات كانت هذه المجمعات تقدم فيها كل شيء للناس بأقل الاسعار.. لتواجه
بها الدولة جشع التجار واستيلاءهم علي ما بقي في جيوب الناس، تذكرت عندما كانت الطوابير تمتد أمام هذه المجمعات من أجل طبق بيض، أو فرخة مجمدة، أو علبة سمن هولندي، أو كيلو لحم مستورد من استراليا أو نيوزيلندا.. أو حتي صابونة أو كيلو سمك ماكريل روسي.
يومها قال لي الدكتور جويلي: المجمعات هي وسيلتي لوصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين ولمواجهة الجشعين من التجار، أي لصوص طعام الغلابة .. ولهذا فهو عندما عاد لوزارة التموين كان هدفه «إعادة تأهيل» هذه المجمعات لكي تنجح في السيطرة علي الأسعار، ولذلك عمد إلي تحسين هذه المجمعات وتطويرها لتقدم أفضل السلع بأقل ربح وعيون الوزير تتحدث عن بيع أكثر بربح بسيط.. يعني مكسباً كبيراً في النهاية.. وهكذا نفي الرجل عن نفسه تهمة أنه جاء لتصفية هذه المجمعات.. ونجح الرجل.
<< وعندما كان مسئولاً عن توفير القمح المستورد لتصنيع الخبز.. اقترح وأعاد فكرة انتاج رغيف مخلط من دقيق القمح ودقيق الذرة.. لتقليل الاعتماد علي القمح المستورد.. وأحيا بذلك فكرة رغيف الذرة الذي عاشت عليه نسبة كبيرة من المصريين.. من أيام الفراعنة، ولو استمرت هذه التجربة لانخفض حجم ما نستورده من قمح، حتي حصلنا - بلا فخر - علي لقب المستورد الأول للقمح في العالم.. بلا خيبة..
وعندما تكاتفت عليه أطماع ومؤامرات الطبقة الجديدة من الأثرياء.. ترك الوزارة وحمل عصاه ليقدم خلاصة فكره للخدمة العربية، أميناً عاماً لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية..
<< وأصابه المرض.. وضربت ذاكرته الأوجاع، وعاش شهوراً عديدة وراء أسوار التجاهل.. ولكن يكفيه أنه كان أبرز من اهتم بالفقراء من أبناء وطني، وما أكثرهم..
وفي هدوء رحل عن عالمنا العالم الكبير، والإنسان البسيط، الدكتور أحمد جويلي، الذي كان يسكن في شقة متواضعة علي ناصية شارع المراغي في العجوزة، قبل أن يتولي أي مسئولي.
<< وألف رحمة ونور علي وزير الغلابة الذي عرفته عن قرب وأحببته كثيراً..