رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

عاصمة جديدة.. مش وقته!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 18 يوليو 2014 22:27
بقلم - عباس الطرابيلي


 

أؤيد حتمية انشاء عاصمة جديدة.. بعد أن عجزنا عن حل كل مشاكل القاهرة.. ولكن: هل هذا وقته؟!

مصر تمد يدها للأشقاء.. وتحاول شد مساهمات رجال الأعمال لإنقاذ الاقتصاد المصري ولكن، قبل أن نجري وراء الأفكار البراقة.. علينا أن نحسب بالضبط ما هو تحت أيدينا من إمكانيات.. وان نحدد وقت تنفيذ الصالح منها..
نحن الآن نحاول «إنعاش» الجسد المصري.. بينما إنشاء مثل هذه العاصمة يزيد من مشاكل هذا الجسد.. والأفضل أن نوجه ما سوف تتكلفه عملية انشاء هذه العاصمة إلي ما هو أكثر إلحاحاً.. أي نعمل وفق الأولويات..
<< وإذا كان بعض المسئولين يرون ان انشاء هذه العاصمة سيتكلف 50 مليار جنيه.. فإنني أري أن التكاليف سوف تتجاوز 500 مليار جنيه، فهل مصر مستعدة لتدبير هذا الرقم، أو حتي تدبير 50 ملياراً؟! وتعالوا نتكلم ببعض الصراحة ..
إن عاصمة جديدة علي بعد يقل عن 200 كيلو متر ليس مجدياً.. لأن العاملين فيها سوف يستمرون في حياتهم السابقة.. ثم يتحركون ذهاباً وعودة إلي موقع عملهم في العاصمة الجديدة.. وإلا فسوف تصبح العاصمة الجديدة - بعد سنوات قليلة- جزءاً من العاصمة القديمة.. وأمامنا تجربة كل عواصم مصر الإسلام: الفسطاط، العسكر، القطائع، القاهرة الفاطمية كلها أصبحت كتلة واحدة، أي مدينة واحدة.
<< وانظروا عواصم مصر الفرعونية كان الفرعون إذا شاء بناء عاصمة جديدة جدد موقعها علي بعد مئات الكيلومترات.. وأمامنا: منف، أول عاصمة مركزية مصرية، وهي الآن عند البدرشين والحوامدية، ثم مدينة طيبة «الأقصر حالياً» بينهما ما يقرب من

1000 كيلو متر، ثم باقي العواصم، هذا إخناتون عندما أراد ان يهرب بدينه من تجبر كهنة طيبة أنشأ عاصمة «اخيتاتون» الآن عند تل العمارنة، في محافظة المنيا، ثم نري عاصمة أخري في الشرقية بعيداً عن كل العواصم السابقة.. حتي الإسكندرية البطلمية كانت بعيدة عن كل عواصم مصر السابقة..
<< ورغم أن أسباب نشأة المدن معروفة - وقد درستها كلها - فإن المدن تنشأ حيث فرص الرزق، أو عند مفارق طرق برية أو بحرية أو نهرية.. أو تكون مدينة داخلية بعيداً عما يهدد الأمن القومي لأي بلد.. فهل في الموقع الذي «قررته» الحكومة شيء من ذلك.. أم هي فكرة لامعة براقة، قد تكون جافة صحراوية تصلح من البدن المصري العليل.. ولكنها أمنيا اختيار خاطئ.. وهنا أذكركم بما حدث خلال هزيمة 1967، عندما كان الطريق مفتوحاً أمام القوات الإسرائيلية، من الإسماعيلية إلي القاهرة، دون جيش يستطيع حمايتها، وموقع العاصمة المختارة، ليس بعيداً عن طريق الإسماعيلية، بل فيه نفس الخطأ الحربي القومي!! واسألوا أساتذة الدفاع، قبل أن تتسرعوا.
<< ولقد عشت كل تجارب تخفيف العبء عن القاهرة، وبالذات فكرة العاصمة الإدارية وهنا أتذكر أن من أهم أسباب انشاء مدينة نصر - من أوائل الخمسينيات كان ان تصبح عاصمة ادارية، بنقل الوزارات والمؤسسات والهيئات
إلي المدينة الجديدة.. وكان يتحمس لذلك زكريا محيي الدين، وبالذات بعد أن أصبح رئيساً للوزراء في شهر اكتوبر 1965.. ولم تنجح المحاولة..
وتجربة د. عزيز صدقي عندما كان وزيراً للصناعة اذ قرر نقل مقار كل الشركات الصناعية، والمؤسسات، إلي حيث توجد مصانعها، قال يومها: كيف يكون مقر شركات الغزل والنسيج والزيوت والسكر وغيرها بعيداً عن هذه المصانع، ولكن الفكرة لم تنجح تماماً لأن هذه الشركات إن نقلت مقارها «الرسمية» إلي المصانع فإنها احتفظت بمقارها في العاصمة علي شكل «مكاتب للادارة التجارية والتسويق»!!
<< وعندما قرر الرئيس السادات انشاء عاصمة جديدة لمصر، اختار لها موقعاً متوسطاً، بين الأراضي الزراعية - في محافظة البحيرة - وبين مشارف الصحراء لتسهيل عمليات تعمير الصحراء وتوسيع الرقعة الزراعية.. ولكن الفكرة ماتت باستشهاده.
وعلينا تذكر أن انشاء عواصم مصر تكون عادة في مكان يتوسط أرض مصر.. أي بين الدلتا حيث الكثافة السكانية وجنوب الصعيد حيث الامتداد المساحي لمصر.. وكانت هذه هي فلسفة انشاء عواصم مصر: الفرعونية والاسلامية وفي العصر الحديث.
<< وعلينا أن ندرس جيداً تجارب غيرنا - في انشاء عواصمها أو نقل عواصمها ندرس تجربة باكستان للخروج من مشاكل العاصمة الأولي كراتشي إلي انشاء مدن مثل روالبندي واسلام اباد.. والبرازيل التي تحتل حوالي نصف مساحة كل قارة امريكا الجنوبية تركت عاصمتها التقليدية والتاريخية ريودي جانيرو ثم تركت أكبر مدنها - بعدها - وهي ساو باولو، وقررت الابتعاد تماماً عن الساحل واختارت موقعاً يبعد مئات الكيلو مترات - في الداخل - لبناء عاصمتها الجديدة هي برازيليا..
ولكن باكستان والبرازيل من الدول الغنية بمواردها.. ولهذا كان الانفاق الكبير لانشاء العواصم الجديدة.. أما نحن فلسنا مثلهما في شيء.. خصوصاً الآن..
<< وأقولها وأمري لله: إن فكرة انشاء عاصمة جديدة لمصر الان هي رفاهية مرفوضة، فليس هذا هو وقت المشروعات ذات الرفاهية.. فنحن لا نملك جنيهاً يفيض الآن عن حاجة الناس.. وغدا نواصل..